جاء الخطاب الملكي الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس أمام البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية، في توقيت بالغ الدلالة، ليرسم معالم رد مغربي واضح وحاسم على الاستفزازات الإسبانية المتكررة، والتي كان آخرها الإعلان عن زيارة ملك إسبانيا فيليبي السادس لمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين.
وقد حمل الخطاب الملكي رسائل قوية، شكلت بمجموعها ردا غير مباشر لكنه صريح على التحركات الإسبانية، إذ قال الملك: “الشراكة هي اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبدا محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز”، وهي عبارة تحمل دلالات عميقة، وتؤكد أن المغرب لم يعد يقبل بأن تُستغل الملفات الخلافية كورقة ضغط في العلاقات الثنائية.
وفي سياق حديثه عن أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة في صيف 2026، والتي وصل خلالها أكثر من 70 ألف مهاجر إلى المدينة قبل أن يعاد معظمهم إلى المغرب، أكد جلالة الملك أن “النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال أصبح متجاوزا، والأزمات المتكررة خير شاهد على ذلك”، مشيرا إلى أن التعاون مع إسبانيا “يواجه تحديات كبيرة مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية المتجاوزة، والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع، التي تحول، مع الأسف، دون ترحيل الأطفال القاصرين، والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء”.
ولم يقتصر الرد الملكي على الجانب السياسي والأمني، بل امتد إلى الجانب الاستراتيجي، حيث أعلن جلالته أن المغرب “سيقدم لشركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية، واضحة وعملية، تؤسس لتوجه جديد، يعزز التنمية المشتركة، والتنافسية الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي”، وهي مبادرة تعكس انتقال المغرب من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة، ومن منطق التبعية إلى منطق الندية.
وجاء هذا الرد الملكي في وقت تزامن فيه الإعلان عن زيارة ملك إسبانيا لسبتة ومليلية، وهي الأولى من نوعها منذ سنة 2007، في خطوة تكتسي دلالات رمزية تتعلق بالتأكيد على السيادة الإسبانية على المدينتين. لكن الخطاب الملكي كان قد وضع النقاط على الحروف قبل الزيارة، مؤكدا أن المغرب يتعامل مع شركائه بمنطق السيادة والاحترام المتبادل، ويرفض أي محاولة لفرض الأمر الواقع.
ويبدو أن الخطاب الملكي قد نجح في إعادة ترتيب الأولويات، ووضع إسبانيا أمام مسؤولياتها، في ظل شراكة استراتيجية يتقاطع فيها التعاون الأمني والاقتصادي مع استمرار الخلاف حول قضايا السيادة.
وبينما تسعى إسبانيا إلى ترسيخ “الطبيعية” المؤسساتية لوجودها في المدينتين، يظل الموقف المغربي ثابتا في عدم الاعتراف بسيادة إسبانيا على سبتة ومليلية، باعتبارهما جزءا من التراب المغربي.