الخطاب الملكي يعقّد مهمة المنصوري.. معركتها تبدأ من اختيار الوزراء

بعد مضامين الخطاب الملكي الامس بالبرلمان ،لم تعد مهمة فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة، تقتصر على استكمال مشاورات تشكيل الأغلبية والتوصل إلى صيغة ترضي احزاب الكتلة التي ستشكل معها الحكومة، بل ان الخطاب الملكي الأخير عقد مأموريتها ، حيث انه أعاد وضع مسألة تشكيل الحكومة في سياق أوسع، لتشكيلها بوزراء مؤهلين لمواجهة تحديات المرحلة التي تضمنها الخطاب الملكي ،وتحويل التوجيهات الاستراتيجية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ. وبذلك، لم يعد النقاش محصوراً في هوية الأحزاب التي ستشارك في الحكومة أو حجم تمثيليتها، بل امتد إلى طبيعة الأشخاص الذين سيتولون تدبير القطاعات الوزارية، ومدى توفرهم على المؤهلات اللازمة لتحمل مسؤولياتهم.

د.ميلود بلقاضي
د.ميلود بلقاضي

هنا تكمن إحدى أصعب المعادلات التي تواجه المنصوري. فهي مطالبة ببناء أغلبية سياسية متماسكة، وفي الوقت نفسه تشكيل فريق حكومي قادر على الإنجاز. وبين الأمرين مساحة لا تخلو من التوتر؛ لأن الأحزاب تدخل مفاوضات تشكيل الحكومة وهي محكومة باعتبارات التمثيل والنفوذ والتوازنات الداخلية، بينما تفرض متطلبات التدبير العمومي معايير أخرى ترتبط بالتجربة والكفاءة والقدرة على اتخاذ القرار. وقد يصبح التوفيق بين هذه الاعتبارات أكثر صعوبة عندما تتحول بعض الحقائب الوزارية إلى موضوع للتنافس الحزبي، بدل النظر إليها باعتبارها مسؤوليات تتطلب مؤهلات محددة.

لا يتعلق الأمر هنا بالاعتراض على حق الأحزاب في التفاوض بشأن توزيع الحقائب، فذلك جزء من طبيعة الحكومات الائتلافية، وإنما بحدود هذا التفاوض عندما يتعلق الأمر باختيار المسؤولين عن تنفيذ السياسات العمومية. فالوزارة ليست امتداداً للهيكل التنظيمي للحزب، والوزير لا يمثل الجهة التي اقترحته وحدها، بل يتحمل مسؤولية تدبير قطاع عمومي وما يرتبط به من مصالح وانتظارات. ومن ثم، فإن معيار النجاح لا ينبغي أن يرتبط بموقع المسؤول داخل حزبه أو بقدرته على الحفاظ على التوازنات السياسية، بقدر ما يرتبط بما يستطيع تحقيقه على مستوى التدبير والنتائج.

وتزداد أهمية هذه المسالة نظرا إلى طبيعة الملفات التي تنتظر الحكومة المقبلة. فالأمن المائي والطاقي والغذائي، وتطوير الصناعة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتحسين الخدمات العمومية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية،وتجاوز اختلالات الجهوية المتقدمة واللا تمركز الاداري كلها مجالات تتطلب معرفة دقيقة بالواقع، وقدرة على التخطيط والتنسيق بين المؤسسات، فضلاً عن الاستعداد لاتخاذ قرارات قد لا تحظى دائماً بالشعبية. ولا يكفي في مثل هذه الملفات الإعلان عن برامج طموحة أو تقديم وعود جديدة؛ إذ تظل القيمة الحقيقية لأي توجه سياسي مرتبطة بقدرة المسؤولين على تحويله إلى إجراءات واضحة ونتائج قابلة للتقييم.

لكن هل يعني ذلك أن الأحزاب المغربية لا تتوفر على كفاءات قادرة على تحمل المسؤولية الحكومية؟ سيكون من المتسرع استخلاص هذه النتيجة من دون فحص الأسماء والمسارات والتجارب المتاحة. فالمشكلة قد لا تكون دائماً في غياب الكفاءات، وإنما في المعايير التي تتحكم في اختيارها، وفي مدى استعداد الأحزاب لمنح المسؤولية لمن تتوفر فيهم المؤهلات المطلوبة، حتى إن لم يكونوا الأكثر حضوراً داخل هياكلها. وهذا ما يجعل تشكيل الحكومة مناسبة لاختبار قدرة التنظيمات السياسية على الانتقال من منطق تدبير المواقع إلى منطق تدبير المسؤوليات.

كما أن الكفاءة الوزارية لا تختزل في الشهادات الجامعية أو المسارات المهنية، مثلما لا ينبغي اعتبار التجربة السياسية عائقاً أمام التدبير الفعال. فالعمل الحكومي يحتاج إلى معرفة تقنية، لكنه يحتاج أيضاً إلى فهم التوازنات الاجتماعية والمؤسساتية، والقدرة على التواصل واتخاذ القرار وتحمل تبعاته. وقد يمتلك المرشح خبرة أكاديمية أو مهنية متميزة من دون أن تكون لديه تجربة كافية في إدارة المؤسسات، في حين قد يمتلك السياسي خبرة طويلة في العمل العام، لكنه يحتاج إلى فريق تقني وإداري قوي لمواكبة قراراته. لذلك، فإن الاختيار الجيد لا يقوم على المفاضلة المسبقة بين السياسي والتقني، بل على تحديد المؤهلات التي يحتاج إليها كل قطاع، ومدى قدرة المرشح على الجمع بين المعرفة والتدبير والمسؤولية.

في هذا السياق، تواجه المنصوري مسؤولية تتجاوز مجرد التوفيق بين مطالب الشركاء. فنجاحها في تشكيل أغلبية متماسكة لن يكون كافياً، إذا لم ينعكس ذلك على قدرة الحكومة على العمل بفعالية. كما أن اختيار وزراء ذوي مؤهلات مناسبة لن يضمن وحده نجاح التجربة الحكومية، ما لم يتوفر الانسجام بين القطاعات، وتحديد واضح للأولويات، وآليات للمحاسبة والتقييم. فالمسألة لا تتعلق بالأسماء وحدها، بل أيضاً بطريقة اشتغال الحكومة، ومدى قدرتها على تجاوز تضارب الاختصاصات وبطء التنفيذ وضعف التنسيق الذي قد يحول دون تحقيق الأهداف المعلنة.

ومع ذلك، لا يمكن فصل مسؤولية رئيسة الحكومة المعينة عن طبيعة المشهد الحزبي الذي تتحرك داخله. فهي لا تدير عملية اختيار الوزراء في فراغ سياسي، بل تتعامل مع أحزاب لها حساباتها ومطالبها وتوازناتها. غير أن هذه الاعتبارات، مهما كانت مشروعيتها، لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للتنازل عن متطلبات الفعالية. كما أن الأحزاب التي تطالب بحضور وازن داخل الحكومة مطالبة بتحمل المسؤولية عن الأسماء التي تقترحها، وعن أدائها بعد توليها المسؤولية، بدلاً من اختزال المشاركة الحكومية في ضمان التمثيل والحصول على الحقائب.

إن الرهان المطروح اليوم لا يتعلق بتشكيل حكومة تضم أسماء معروفة أو بتحقيق توازن حسابي بين مكوناتها، بل ببناء فريق قادر على تحويل الأولويات الاستراتيجية إلى قرارات وبرامج ونتائج ملموسة. فالخطاب الملكي يحدد التوجهات الكبرى، لكن مسؤولية تنزيلها تقع على عاتق المؤسسات الحكومية، وعلى الوزراء أن يثبتوا قدرتهم على الانتقال من الالتزام السياسي إلى الإنجاز العملي.

لهذا، فإن الاختبار الأهم أمام المنصوري لن يكون يوم الإعلان عن التشكيلة الحكومية، بل في الطريقة التي ستُحسم بها معايير الاختيار. فهل تستطيع إقناع شركائها بأن متطلبات المرحلة تفرض تقديم الكفاءة والقدرة على التدبير، من دون إغفال التوازنات السياسية التي تضمن استقرار الأغلبية؟ أم أن منطق التفاوض الحزبي سيظل محدداً أساسياً في توزيع المسؤوليات؟ الجواب عن هذا السؤال سيكشف ليس فقط طبيعة الحكومة المقبلة، بل أيضاً مدى استعداد الأحزاب للتعامل مع المشاركة في السلطة باعتبارها مسؤولية سياسية ومؤسساتية تستوجب الإنجاز والمحاسبة.

وعليه، فالتحدي الحقيقي أمام المنصوري بعد الخطاب الملكي ليس البحث على أسماء لملء المناصب، وإنما بناء فريق حكومي لا تتحول فيه التسويات الحزبية إلى عائق أمام الكفاءة والانسجام والمحاسبة. فالخطاب الملكي رفع سقف الانتظارات، بينما ستكشف التعيينات المرتقبة مدى قدرة الأحزاب على تحويل شعاراتها إلى عرض حكومي يستجيب لمتطلبات المرحلة.

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *