الصحراء المغربية تحاصر حسابات الجزائر وعطاف يستنفر الدبلوماسية

لم تعد لغة الانتصار التي تروجها بعض المنابر الإعلامية الجزائرية كافية لإخفاء مؤشرات القلق المتزايد داخل دوائر القرار في الجزائر، مع اقتراب موعد تصويت مجلس الأمن بشأن قضية الصحراء المغربية. فقد اختار وزير الخارجية أحمد عطاف، في خطاب ألقاه بالعاصمة الجزائرية، نبرة تحذيرية كشفت حجم الرهان الذي يضعه النظام الجزائري على معركة دبلوماسية طال أمدها، في وقت تزداد فيه الضغوط الدولية لتسوية النزاع على أساس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

وخلال احتفالية «اليوم الوطني للدبلوماسية الجزائرية»، الخميس 8 أكتوبر، بمناسبة الذكرى الحادية والثمانين لتأسيس الأمم المتحدة، كان يفترض أن ينصب الخطاب على مستقبل العمل متعدد الأطراف، انسجاما مع شعار «تعددية أطراف متجددة». غير أن عطاف حول المناسبة إلى منصة لتجديد المواقف التقليدية لبلاده من قضية الصحراء، معبرا عن «اندهاش كبير مشوب بقلق مشروع» إزاء ما وصفه بمحاولات إفراغ الملف من جوهره، وحصره في قضية لاجئين بدل التعامل معه باعتباره قضية تصفية استعمار.

 

وحذر المسؤول الجزائري مما سماه تكريس «أمر واقع مفروض على الصحراء الغربية»، متمسكا بأن حق تقرير المصير لا يسقط بالتقادم ولا يمكن، بحسب تعبيره، أن تلغيه التفاهمات السياسية أو المناورات الدبلوماسية. لكن خلف هذه العبارات التي تستحضر مفردات الخطاب الجزائري المألوف، يبرز سؤال جوهري: هل يعكس هذا التصعيد ثقة في الموقف الجزائري، أم يكشف صعوبة التكيف مع التحولات التي يعرفها مسار النزاع؟

 

ورغم أن عطاف لم يسم مجلس الأمن صراحة، فإن توقيت تصريحاته يجعل الرسائل الموجهة إلى أعضائه واضحة، خصوصا مع اقتراب موعد 30 أكتوبر 2026. فالجزائر تدرك أن النقاش الدولي بشأن الصحراء المغربية لم يعد محصورا في تكرار المواقف القديمة، بل بات يرتبط بمدى قابلية المقترحات المطروحة للتطبيق وقدرتها على إنهاء نزاع استنزف المنطقة لعقود.

 

ويكشف تركيز الوزير الجزائري على رفض اختزال القضية في ملف اللاجئين عن جانب آخر من المأزق الذي يواجهه النظام في الجزائر. فاستمرار أوضاع مخيمات تندوف، في ظل غياب إحصاء شامل وموثوق لساكنتها، يطرح أسئلة متجددة بشأن مسؤولية الجزائر، بصفتها البلد المضيف، في ضمان الحقوق الإنسانية للسكان وتمكينهم من أوضاع واضحة، بعيدا عن توظيف معاناتهم في الصراع السياسي الإقليمي.

 

وبدل تقديم مقاربة عملية تسهم في إنهاء هذا النزاع، يواصل الخطاب الرسمي الجزائري التشبث بشعارات كبرى لا تكفي وحدها لإنتاج حل سياسي. فبعد عقود من الدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري لجبهة البوليساريو، يجد النظام نفسه أمام ضرورة تفسير كلفة هذا النهج ونتائجه، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تسوية واقعية ودائمة، تحفظ الاستقرار الإقليمي وتضع حدا لمعاناة المحتجزين في المخيمات.

 

وتزداد دلالة خطاب عطاف عند وضعه في سياق تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، خلال لقائه الدوري مع الصحافة الرسمية في 3 أكتوبر الجاري. فقد قال تبون إن الجزائر لن تكون «أكثر صحراوية من الصحراويين»، مضيفا أن بلاده ستقبل الحل الذي يقبله الصحراويون، كما وصف القرار الأممي رقم 2797 بأنه «موجود» و«يشق طريقه».

وتوحي هذه التصريحات بمحاولة لتقديم الموقف الجزائري باعتباره ملتزما بما ستفضي إليه العملية السياسية، لكنها لا تبدد التناقض القائم بين خطاب يعلن عدم التدخل في اختيار الحل، وسياسة إقليمية كرست لعقود دعما سياسيا ودبلوماسيا مستمرا للبوليساريو. فالنأي المعلن بالنفس عن نتائج التسوية لا ينسجم بسهولة مع حجم الانخراط الجزائري في هذا النزاع.

ويبرز التناقض ذاته في مواقف عطاف على الساحة الدولية. ففي 28 شتنبر الماضي، وخلال مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، أشاد بالمفاوضات المباشرة بين المغرب والبوليساريو تحت رعاية الأمم المتحدة وبدعم أمريكي. غير أن هذا الخطاب يطرح بدوره سؤالا حول حدود الدور الجزائري، في ظل حضورها المؤثر في مسار النزاع وتمسكها في الوقت نفسه بتقديم نفسها باعتبارها طرفا خارجيا لا يعنيه سوى احترام المسار الأممي.

إن المشكلة الأساسية في المقاربة الجزائرية لا تكمن في الدفاع عن موقف سياسي مخالف للموقف المغربي فحسب، بل في الإصرار على إعادة إنتاج الخطاب ذاته رغم تغير السياق الدولي وتراكم كلفة النزاع على شعوب المنطقة. فالدبلوماسية التي تكتفي بالتحذير من التحولات، من دون تقديم مبادرات عملية لتقريب وجهات النظر، تخاطر بتحويل الخلاف السياسي إلى حالة دائمة من الجمود والتوتر.

ومع اقتراب موعد اجتماع مجلس الأمن في 30 أكتوبر 2026، ستتضح ملامح المرحلة المقبلة من المسار الأممي. وإلى حين ذلك، فإن نبرة القلق التي طبعت خطاب عطاف تفتح الباب أمام قراءة نقدية لسياسة جزائرية ظلت لعقود أسيرة رهان واحد، بينما تظل الحاجة الملحة هي الانتقال من منطق الصراع المفتوح إلى تسوية سياسية واقعية تنهي النزاع وتعيد الاعتبار لمصالح شعوب المغرب الكبير.

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *