دخلت مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة مرحلة دقيقة، مع انتقال التنافس بين الأحزاب من تحديد ملامح الأغلبية البرلمانية إلى الصراع حول الحقائب الوزارية والتمثيلية داخل الجهاز التنفيذي، في وقت تتجه فيه رئيسة الحكومة المعينة، فاطمة الزهراء المنصوري، إلى فرض معايير جديدة لاختيار الأسماء المرشحة للاستوزار، من بينها تخصيص ثلث المناصب الوزارية للنساء.
ووفق معطيات متداولة بشأن المفاوضات الجارية، فإن المنصوري أبلغت قادة الأحزاب المنخرطة في المشاورات بضرورة احترام هذه النسبة، في خطوة من شأنها أن تعيد ترتيب حسابات الترشيح داخل التنظيمات السياسية، وتفرض عليها البحث عن أسماء نسائية قادرة على المنافسة على الحقائب، بدل الاقتصار على التوازنات التقليدية بين القيادات الحزبية.
وتتحرك رئيسة الحكومة المعينة، في الوقت نفسه، على جبهتين متوازيتين؛ الأولى تتعلق بتأمين أغلبية برلمانية مريحة، والثانية ترتبط بتشكيل فريق حكومي يراعي التوازن بين مكونات التحالف، من دون أن يتحول توزيع المناصب إلى عملية استرضاء للقيادات الحزبية على حساب الانسجام الحكومي.
وتبرز أمام المنصوري عدة سيناريوهات لاستكمال أغلبيتها، إذ يتيح التحالف الذي يضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية قاعدة برلمانية تبلغ 207 مقاعد، متجاوزا عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدا. غير أن توسيع هذا التحالف يظل مطروحا، سواء عبر إشراك الحركة الشعبية، التي تتوفر على 29 مقعدا، أو الاستعانة بالاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، اللذين يتوفران معا على 25 مقعدا.
ولا يتعلق الاختيار بين هذه الصيغ بمجرد جمع المقاعد، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة التي تريد المنصوري بناءها مع حلفائها، وحجم التنازلات التي يمكن تقديمها لكل حزب في مقابل مشاركته في الحكومة. فكل إضافة حزبية ترفع عدد مكونات الأغلبية، لكنها توسع أيضا دائرة المطالب المتعلقة بالحقائب الوزارية ومواقع المسؤولية.
وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى الجولة الثالثة من المشاورات، المرتقب أن تكشف خلالها المنصوري عن ملامح الهندسة الحكومية وتوزيع القطاعات بين مكونات الأغلبية، وسط ترقب لإنهاء المفاوضات قبل العشرين من أكتوبر الجاري، وفق ما يجري تداوله بشأن الجدول الزمني لتشكيل الحكومة.
وتكشف مواقف بعض قادة الأحزاب عن حجم التعقيد الذي يطبع المفاوضات. فالاتحاد الاشتراكي، بقيادة إدريس لشكر، لا يبدو متحمسا لانضمام الحركة الشعبية إلى الأغلبية، في ظل التنافس على موقع الحزب داخل التحالف، خصوصا أن الحركة تتقدم عليه من حيث عدد المقاعد، بعدما حصلت على 29 مقعدا مقابل 26 للاتحاد الاشتراكي. ويطرح هذا التباين سؤالا بشأن مدى قدرة المنصوري على احتواء الحسابات المرتبطة بترتيب الأحزاب وموقع قياداتها داخل الحكومة.
ومن جهته، يفضل نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، وفق المعطيات المتداولة، عدم إشراك الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية في الحكومة، والاكتفاء بدور المساندة من خارجها. ويعكس هذا الموقف خلافا حول طبيعة الأغلبية وحدود توسيعها، فضلا عن المخاوف من أن يؤدي تعدد الشركاء إلى زيادة التنافس على الحقائب وتقليص حصة الأحزاب الموجودة سلفا في التحالف.
أما نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، فتُنسب إليه تحفظات بشأن مشاركة التجمع الوطني للأحرار، في ظل ما قد يترتب عن ذلك من منافسة إضافية على القطاعات الوزارية. وتضع هذه الاعتراضات المنصوري أمام معادلة دقيقة: الاستجابة لمطالب الحلفاء من جهة، والحفاظ على هامش القرار السياسي في اختيار فريقها الحكومي من جهة أخرى.
وفي المقابل، يظل خيار إشراك الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية مطروحا، رغم ما يقال عن رفض الحزبين الاكتفاء بمساندة الحكومة من الخارج، بعد تجربة المعارضة أو الدعم البرلماني من دون مشاركة تنفيذية. وتبرز هنا أهمية الاتصالات الرامية إلى إقناع قيادتي الحزبين بصيغة تضمن لهما حضورا سياسيا في المرحلة المقبلة، من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى منحهما حقائب وزارية منذ البداية.
وبالتوازي مع مفاوضات الأغلبية، بدأت الأسماء المحتملة للاستوزار تتداول داخل الأوساط الحزبية، مع بروز منافسة على قطاعات وازنة، في مقدمتها العدل والاقتصاد والمالية والتواصل والفلاحة والصيد البحري. ويُطرح اسم عبد اللطيف وهبي في سياق الحديث عن احتمال توليه رئاسة مجلس النواب، مقابل طموحات منسوبة إلى إدريس لشكر بشأن وزارة العدل، فيما تتردد أسماء أخرى بشأن القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.
ويحظى ملف الاقتصاد والمالية باهتمام خاص، بالنظر إلى ثقله في تنفيذ السياسات العمومية وتدبير التوازنات المالية، إذ تتداول الكواليس طموحات نزار بركة بشأن هذا القطاع، في مقابل الحديث عن رغبة المنصوري في إسناده إلى فوزي لقجع. كما تتردد تكهنات بشأن القطاعات التي قد يتولاها التقدم والاشتراكية، ومنها التواصل أو التعمير وسياسة المدينة، من دون أن يعني تداول هذه الأسماء حسم أي تعيين رسمي.
وفي حال انضمام الحركة الشعبية إلى الأغلبية، يبرز اسم أمينها العام محمد أوزين ضمن التكهنات المرتبطة بتولي حقيبة العلاقات مع البرلمان والتواصل، مع إمكانية الجمع بينها وبين مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة. وتبقى هذه الاحتمالات رهينة بنتائج المشاورات النهائية وبالتفاهمات التي ستعقدها رئيسة الحكومة المعينة مع قادة الأحزاب.
وتكشف هذه المعطيات أن معركة تشكيل الحكومة لا تدور فقط حول عدد المقاعد التي تضمن الأغلبية، بل أيضا حول من يمتلك حق تحديد أولوياتها وتوزيع المسؤوليات داخلها. فبين رغبة الأحزاب في ضمان حضور وازن، وإصرار المنصوري على الاحتفاظ بسلطة الاختيار، يظل نجاح المشاورات مرتبطا بقدرتها على تحويل التفاهمات البرلمانية إلى تحالف منسجم، لا تحكمه فقط حسابات الاستوزار.
وكانت المنصوري قد أكدت، عقب لقائها التشاوري مع نزار بركة بالرباط، أنها تطمح إلى تشكيل حكومة في مستوى انتظارات المغاربة والملك محمد السادس، مشيرة إلى أن المشاورات تسير بشكل إيجابي. ويبقى الاختبار الحقيقي أمامها هو ترجمة هذه التصريحات إلى تركيبة حكومية قادرة على التوفيق بين التوازنات الحزبية والتمثيلية النسائية وفعالية الأداء، بعيدا عن أن تتحول المفاوضات إلى سباق مفتوح على الحقائب والمناصب.