غلاء الأسعار يفضح عجز نظام تبون.. الجزائريون تحت رحمة السوق

لم تعد أزمة الأسعار في الجزائر مجرد موجة عابرة تفرضها تقلبات السوق، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لقدرة السلطة على حماية القدرة الشرائية للمواطنين. ومع نهاية شتنبر، يجد الجزائريون أنفسهم أمام أسعار تواصل الارتفاع، فيما تبدو الخطابات الرسمية عن وفرة المنتجات وضبط الأسواق عاجزة عن تفسير ما يراه المواطن يوميا على رفوف الأسواق وفي قفته.

 

وفي أحدث مؤشر على هذا الوضع، لامست أسعار البطاطا 140 دينارا للكيلوغرام في بعض المناطق، بعدما كانت في حدود 70 دينارا منتصف يوليوز الماضي، وفق ما أوردته صحيفة «شهاب برس» في تقرير ميداني حديث.

 

وتكشف جولة في الأسواق الجزائرية، كما نقلت منصات ووسائل إعلام محلية، عن ارتفاعات متباينة في أسعار عدد من الخضر الأساسية. فقد تراوح سعر الفاصولياء الخضراء بين 200 و270 دينارا، بينما تجاوز سعر الفاصولياء الحمراء 380 دينارا وبلغ في بعض الأسواق 450 دينارا. كما استقر سعر البطاطا الحلوة في حدود 340 دينارا، في حين قفز الثوم الجاف إلى ما بين 650 و850 دينارا للكيلوغرام.

 

ولم تسلم بقية المواد من موجة الغلاء، إذ تراوح الخس بين 180 و200 دينار، والكوسة بين 140 و200 دينار، والليمون بين 160 و220 دينارا، بينما بلغ سعر الشمر نحو 190 دينارا والباذنجان 170 دينارا والجزر الممتاز 140 دينارا. أما الفلفل، بنوعيه الحار والحلو، فتراوح بين 130 و200 دينار.

 

وامتدت الارتفاعات إلى الفواكه واللحوم البيضاء، حيث تراوح سعر التفاح بين 400 و600 دينار للكيلوغرام، وبلغ الإجاص نحو 500 دينار، بينما تراوح العنب والنكتارين بين 400 و450 دينارا. وفي المقابل، صعد سعر الدجاج إلى ما بين 500 و600 دينار للكيلوغرام، في وقت بقيت فيه بعض المواد، مثل البصل، ضمن مستويات أقل نسبيا.

 

المفارقة أن هذه الضغوط لا تأتي في بلد يفتقر إلى الإمكانات الطبيعية والمالية، بل في دولة تعتمد بشكل كبير على عائدات المحروقات وتمتلك موارد كان يفترض أن تشكل رافعة لاستقرار السوق وتحسين مستوى معيشة المواطنين. غير أن استمرار اضطراب التموين وارتفاع الأسعار يعيدان طرح أسئلة حادة حول مدى نجاعة الخيارات الاقتصادية التي تنتهجها السلطة الجزائرية.

 

ويظهر الخلل أيضا في العلاقة بين سياسات الاستيراد والسوق الداخلية. فبيانات البنك الدولي تشير إلى أن الجزائر استوردت خلال 2024 أكثر من 234 ألف طن من الموز، بقيمة تقارب 200 مليون دولار، كان معظمها من الإكوادور. لكن هذا المورد نفسه تحول لاحقا إلى إحدى ساحات التوتر الدبلوماسي، بعدما تراجعت صادرات الموز الإكوادوري إلى الجزائر بشكل حاد في بداية 2025، بحسب بيانات وتقارير نقلت عن القطاع الإكوادوري.

 

وبذلك يجد المواطن نفسه أمام معادلة ثقيلة: قرارات تجارية تتأثر بالتجاذبات السياسية، وسوق داخلية تدفع ثمن اضطراب الإمدادات، وقدرة شرائية تتآكل تحت ضغط الأسعار. وحتى عندما تدخلت السلطات لاحقا لمنح تراخيص جديدة لاستيراد الموز، كانت السوق قد عرفت بالفعل ارتفاعات قوية في الأسعار، وصلت في بعض الفترات إلى مستويات قاربت 1000 دينار للكيلوغرام، وفق تقارير جزائرية.

 

المشكلة لا تتوقف عند الموز أو البطاطا، بل تتعلق بنموذج تدبير أوسع للسوق. فكلما ضاقت هوامش الاستيراد أو اختلت حلقات الإنتاج والتوزيع، انتقلت الكلفة بسرعة إلى المستهلك، بينما يظل المواطن الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة من الوسطاء والمضاربين والقرارات الإدارية.

 

وتحاول بعض التفسيرات الرسمية والمهنية رد الارتفاعات إلى عامل موسمي مرتبط بالانتقال من المحاصيل الصيفية إلى الخريفية، غير أن هذا التفسير لا يلغي السؤال الأساسي: لماذا تتحول التقلبات الموسمية المعتادة إلى قفزات سعرية بهذه الحدة، ولماذا يعجز الجهاز الرقابي عن ضبط الفارق بين أسعار الجملة والتقسيط؟

 

والأكثر دلالة أن أزمة الأسعار تتزامن مع استعداد الجزائر لانتخابات المجالس الشعبية البلدية والولائية المقرر تنظيمها في 28 نونبر المقبل، وهو الاستحقاق الذي أكدت السلطات رسميا استمرار التحضيرات له. وبينما تنشغل المؤسسات بترتيبات الاستحقاق الانتخابي، يواجه المواطن امتحانا يوميا أكثر إلحاحا: كيف يؤمن حاجيات أسرته في سوق ترتفع فيه الأسعار بوتيرة أسرع من قدرة كثير من الأسر على الاحتمال؟

 

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، يتخذ الغضب من غلاء المعيشة أشكالا مختلفة، من السخرية إلى المقارنة بين الحاضر والماضي، في تعبير عن اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والتجربة اليومية للمواطن. فبالنسبة إلى الأسرة الجزائرية، لا تقاس الأزمة بالمؤشرات الاقتصادية المجردة، وإنما بعدد المواد التي تضطر إلى حذفها من قائمة المشتريات كلما ارتفعت الأسعار.

 

وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة: بلد يملك موارد ضخمة، لكن المواطن لا يقيس ثروته بما يوجد في خزينة الدولة، بل بما يستطيع وضعه على مائدة أسرته. ومع استمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية، يتحول الحديث عن الوفرة والاستقرار الاقتصادي إلى خطاب يصطدم يوميا بواقع الأسواق، فيما يدفع المواطن ثمن اختلالات لا يملك قرارها ولا القدرة على التحكم فيها.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *