تتجه أنظار المتابعين للشأن السياسي والعلاقات الدولية نحو المحطة التي تشهدها العلاقات المغربية الفرنسية، وسط زخم إعلامي ودبلوماسي مكثف يرافق التحضير للزيارة المرتقبة لجلالة الملك محمد السادس إلى جمهورية فرنسا.
وتكتسي هذه الزيارة أهمية استراتيجية استثنائية، بالنظر إلى طبيعة الثقل السياسي للدولتين وثقل الملفات الساخنة المطروحة على طاولة النقاش، فضلا عن حجم الشراكات والاتفاقيات المرتقبة التي ستعيد رسم ملامح التعاون الثنائي بين الرباط وباريس على مختلف الأصعدة السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والتنموية.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور عصام لعروسي، أستاذ العلاقات الدولية، أن الزيارة المرتقبة لشخص الملك إلى فرنسا تظل من أهم المحاور والملفات المطروحة للنقاش في الساحة السياسية، والتي روجت لها مختلف وسائل الإعلام الوطنية والدولية بكثافة.
وأوضح لعروسي من خلال تصريح خص به “بلبريس” أن هذه الزيارة تأتي متوجة بالتحضير للتوقيع على اتفاقية استراتيجية كبرى وغير مسبوقة تجمع بين البلدين، لتأسيس مرحلة جديدة في تاريخ علاقاتهما الثنائية.
![]()
وأوضح لعروسي أن هذه الاتفاقية المرتقبة ستكون مختلفة تماما في صيغتها وفي شكلها وفي عمق مضامينها لتحديد ماهية وطبيعة العلاقات المستقبلية بين المغرب وفرنسا. وأشار أستاذ العلاقات الدولية إلى أنه من المتوقع أن تكون هذه الاتفاقية واحدة من أهم وأضخم الاتفاقيات الاستراتيجية التي تبرمها فرنسا مع بلد من خارج الاتحاد الأوروبي، مما يعكس المكانة الخاصة والشراكة الاستثنائية التي يحظى بها المغرب لدى باريس.
وأضاف المتحدث ذاته أن هذه الدينامية الجديدة ستمنح الشراكة الفرنسية المغربية دفعا قويا ومزايا متعددة، كما ستوفر أطرا وآليات عملية لاستعادة حيوية العلاقات وتجديد مفاهيمها التقليدية، بما يتماشى مع التطورات والرهانات الراهنة التي تشهدها المنطقة والإقليم.
وأشار لعروسي إلى أن ملف قضية الصحراء المغربية يأتي في صدارة وأولوية الملفات المطروحة على طاولة المباحثات رفيعة المستوى، خاصة بعد الاعتراف التاريخي الصريح لفرنسا بمغربية الصحراء سنة 2024، والذي جاء إثر الزيارة الرسمية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المملكة المغربية.
ولفت إلى أن هذا التغيير المحوري في الموقف الفرنسي أعاد الدفء للعلاقات الثنائية وأضاف إليها زخما كبيرا، كما ساهم بفعالية في تحريك المياه الراكدة وإنهاء نحو سنتين من التوتر الجيوسياسي و”الأزمة الصامتة” التي خيمت على العلاقات بين الرباط وباريس وعرقلت الكثير من مجالات التعاون المشترك.
وتابع لعروسي مبينا أنه على المستوى الأمني والدفاعي، ثمة انشغالات واهتمامات أساسية ومشتركة تفرض نفسها على جدول أعمال الطرفين، وفي مقدمتها محاربة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومكافحة ظاهرة الإرهاب والتطرف، فضلا عن التصدي لشبكات الاتجار بالبشر وتهريب المخدرات، مع التركيز على ملف تأمين الحدود واستقرار المنطقة.
وذكر عصام لعروسي أيضا أن الشق الاقتصادي والمشاريع التنموية يحتل مساحة واسعة ومحورية في أجندة الزيارة، لاسيما فيما يتعلق بتعزيز مجالات الدفاع والصناعات المرتبطة بها، وتطوير مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، إلى جانب النهوض بقطاعات البحث العلمي والتعليم والثقافة، علاوة على إطلاق وتفعيل مجموعة من المشاريع التنموية والاستثمارية الواعدة في الأقاليم الجنوبية للمملكة.
وخلص لعروسي إلى أن المباحثات ستتجاوز البُعد الثنائي لتشمل رؤية الطرفين لشكل وطبيعة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ككل، بالنظر إلى وزن فرنسا ونفوذها المؤثر في صنع القرار الأوروبي، بالإضافة إلى فتح ملف الهجرة وما يثيره من خصوصيات وتوترات جديدة تستدعي مقاربة شمولية ومستدامة، وهي كلها قضايا كبرى ستكون حاضرة بقوة على طاولة البحث خلال هذه الزيارة الملكية المرتقبة.