في مفاجأة انتخابية هزّت جهة فاس-مكناس، أخفق امحند العنصر، أحد أعرق الوجوه السياسية المغربية والأمين العام السابق لحزب الحركة الشعبية، في الظفر بمقعد برلماني عن دائرة بولمان خلال الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026.
وحل العنصر في المرتبة الخامسة بـ 3738 صوتًا فقط، في دائرة شهدت منافسة شرسة على ثلاثة مقاعد برلمانية. وتصدر محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، نتائج الاقتراع بـ 18687 صوتًا، متبوعًا برشيد حموني من حزب التقدم والاشتراكية بـ 7815 صوتًا، ثم محمد الميري من الأصالة والمعاصرة بـ 4817 صوتًا.
خسارة رمزية تتجاوز حدود المقعد
لا تتوقف دلالة هذه النتيجة عند خسارة مقعد برلماني فحسب، بل تحمل أبعادًا رمزية أعمق. فالعنصر، الذي شغل منصب وزير الداخلية وقاد حزب الحركة الشعبية لسنوات طويلة، كان قد عاد إلى المنافسة الانتخابية شخصيًا بعد غياب، حيث كان نجله حسن العنصر يمثل الحزب في الدائرة خلال الولايتين السابقتين (2016 و2021).
وقد سبق للعنصر أن انتُخب نائبًا برلمانيًا عن دائرة بولمان في أربع ولايات متتالية، بدءًا من 1993 وصولًا إلى 2012، قبل أن يعتزل الترشح المباشر. هذا الرصيد التاريخي الطويل لم يشفع له هذه المرة أمام صناديق الاقتراع.
قراءة في أسباب التراجع
ويرى متتبعون للشأن السياسي المحلي أن نتائج بولمان تعكس تحولًا تدريجيًا من منطق “الرمزية السياسية” إلى منطق “الفعالية الانتخابية الميدانية”، حيث أصبحت القدرة على الحفاظ على تواصل مستمر مع الناخبين عاملًا حاسمًا، أكثر من الرصيد التاريخي أو المكانة السياسية للمرشح.
ويبرز هذا المعطى عند مقارنة أداء الفائزين بأداء مرشحين آخرين اعتمدوا على شبكات انتخابية نشطة ظلت حاضرة في المجال المحلي خارج المواسم الانتخابية.
فالناخب، وفق هذه القراءة، لم يعد يتفاعل فقط مع الخطاب الانتخابي خلال فترة الحملة، بل أصبح يقيم أداء الفاعلين السياسيين بناءً على حضورهم الميداني وقدرتهم على التفاعل مع القضايا اليومية للسكان.
دلالات أوسع من خسارة فردية
وتتجاوز هذه النتيجة إطارها الفردي لتطرح أسئلة حول قدرة الأحزاب التقليدية على تجديد أدواتها التنظيمية ونخبها المحلية. فبالرغم من المكانة التي يحتللها العنصر في التاريخ السياسي المغربي، سواء على المستوى الحزبي أو الحكومي أو البرلماني، فإن نتائج الاقتراع توحي بأن الناخبين باتوا يبحثون عن معايير أخرى للحكم على المرشحين، تتجاوز الاعتبارات الرمزية والتاريخية.
ويشكل هذا السقوط محطة قد تدفع العنصر، الذي يعد أكبر المرشحين سنًا على المستوى الوطني، نحو الابتعاد النهائي عن الحياة السياسية والانتخابية.
لم يكن العنصر الوحيد الذي أخفق في هذه الانتخابات، إذ شهدت جهة فاس-مكناس سقوط وجوه سياسية بارزة أخرى، من بينها البرلماني الاستقلالي علال العمراوي وإدريس الشطيبي من الاتحاد الاشتراكي.
وبغض النظر عن التأويلات المختلفة، يؤكد ما حدث في بولمان أن انتخابات 2026 لم تكن مجرد محطة لتوزيع المقاعد، بل شكلت اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الأحزاب السياسية على التكيف مع تحولات السلوك الانتخابي في المغرب.