تكشف خريطة توزيع المقاعد النيابية التي أفرزتها الانتخابات التشريعية الأخيرة عن تفاوت واضح في مصادر القوة الانتخابية للأحزاب، بعدما توزعت حصيلتها بين العالم القروي والبادية من جهة، والمدن والحواضر من جهة أخرى. ولا تعكس هذه الأرقام مجرد اختلاف في عدد المقاعد المحصل عليها، بل ترسم ملامح جغرافية متباينة للحضور السياسي، وتكشف عن طبيعة المجالات التي استطاعت فيها الأحزاب بناء قواعد انتخابية أكثر تماسكا.
ويأتي حزب الأصالة والمعاصرة في مقدمة الأحزاب من حيث مجموع المقاعد، بعدما بلغ رصيده 97 مقعداً، غير أن اللافت في هذه الحصيلة هو التوزيع الجغرافي لها. فقد حصد الحزب 63 مقعداً في القرى والبادية، مقابل 34 مقعداً في المدن والحواضر، بما يجعل المجال القروي يشكل الجزء الأكبر من رصيده البرلماني.
وتشير هذه المعطيات إلى أن حضور الأصالة والمعاصرة لم يكن مرتبطاً بالمدن وحدها، بل استفاد بدرجة كبيرة من امتداده في الدوائر ذات الطابع القروي، حيث شكلت البادية رافعة أساسية لرفع عدد مقاعده. وبالنظر إلى الفارق بين المقاعد القروية والحضرية، يبدو أن الثقل الانتخابي للحزب موزع بشكل غير متوازن جغرافياً، مع ميل واضح نحو المناطق خارج المراكز الحضرية الكبرى.
![]()
والأمر نفسه يظهر، وإن بدرجات مختلفة، لدى حزب التجمع الوطني للأحرار الذي حصل على 66 مقعداً، من بينها 40 مقعداً في القرى والبادية مقابل 26 مقعداً في المدن والحواضر. ويعني ذلك أن أكثر من نصف حصيلة الحزب البرلمانية جاءت من المجال القروي، بما يعكس حضوراً انتخابياً مهماً في الدوائر التي لا تتخذ من المدن الكبرى مجالاً رئيسياً للتنافس.
أما حزب الاستقلال، الذي حصد 65 مقعداً، فقد سجل بدوره تفوقاً للمقاعد القروية على الحضرية، بـ36 مقعداً في القرى والبادية مقابل 29 مقعداً في المدن والحواضر. ورغم أن الفارق هنا أقل اتساعاً مقارنة بحصيلة الأصالة والمعاصرة أو التجمع الوطني للأحرار، فإن الاتجاه العام يبقى متشابهاً، إذ تميل كفة التمثيل البرلماني للحزب نحو المجال القروي.
وفي الجهة المقابلة، تقدم نتائج حزب العدالة والتنمية صورة مختلفة بشكل واضح، إذ اعتمدت حصيلته البرلمانية أساساً على المدن والحواضر. فمن أصل 54 مقعداً حصل عليها الحزب، جاءت 43 مقعداً من المجال الحضري، مقابل 11 مقعداً فقط من القرى والبادية. ويكشف هذا التوزيع عن تمركز انتخابي حضري أكثر وضوحاً مقارنة بباقي الأحزاب الواردة في المعطيات.
وبذلك تبدو الخريطة الانتخابية أمام معادلتين مختلفتين في طبيعة الامتداد الجغرافي. فالأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال حققت الجزء الأكبر من مقاعدها في المجال القروي، بينما اتجهت الحصيلة الانتخابية للعدالة والتنمية بصورة أكبر نحو المدن والحواضر. وهذا الاختلاف لا يتعلق فقط بحجم النتائج، وإنما أيضاً بالمجالات التي تتحول فيها الأصوات إلى مقاعد برلمانية.
وتكشف المقارنة كذلك أن المدينة والبادية لا تنتجان بالضرورة النتيجة الانتخابية نفسها بالنسبة إلى مختلف الأحزاب. فبينما تمكنت أحزاب من تحويل حضورها في الدوائر القروية إلى عدد كبير من المقاعد، حافظ حزب العدالة والتنمية على تمركز أقوى داخل المجال الحضري، وهو ما يجعل الخريطة الانتخابية موزعة بين قواعد اجتماعية ومجالية مختلفة.
ولا ينبغي، في المقابل، قراءة هذه الأرقام باعتبارها فصلاً مطلقاً بين الأحزاب القروية والأحزاب الحضرية، لأن كل حزب حاضر في المجالين معاً، وإنما يتعلق الأمر بوزن كل مجال داخل الحصيلة الإجمالية. فالأصالة والمعاصرة، مثلاً، يتوفر على 34 مقعداً حضرياً إلى جانب مقاعده القروية، فيما يتوفر العدالة والتنمية على 11 مقعداً في القرى والبادية إلى جانب حضوره الأكبر في المدن.
ومن هذه الزاوية، تقدم نتائج الانتخابات صورة أكثر تعقيداً من مجرد ترتيب الأحزاب وفق عدد المقاعد. فهي تظهر كيف يمكن للجغرافيا الانتخابية أن تؤثر في شكل التمثيل البرلماني، وكيف تظل البادية والمدن مجالين متداخلين في صناعة الخريطة السياسية، لكن بوزن مختلف من حزب إلى آخر.
وتشير الحصيلة الإجمالية إلى أن العالم القروي والبادية شكلا رافعة أساسية لعدد من الأحزاب الكبرى، في حين مثلت المدن والحواضر المجال الأكثر ارتباطاً بحصيلة حزب العدالة والتنمية. وبين الاتجاهين، ترسم النتائج خريطة انتخابية تعكس تعدد مصادر القوة السياسية، وتؤكد أن فهم موازين البرلمان الجديد لا يكتمل بالنظر إلى مجموع المقاعد فقط، بل يتطلب أيضاً تفكيك جغرافيتها ومواقع إنتاجها.