تداولت منصات رقمية مقربة من دوائر الجيش الروسي، خلال الأيام الأخيرة، سلسلة منشورات وخرائط توضيحية تتحدث عن فرضيات اقتناء الجزائر لطائرات مسيرة روسية من طراز “غيران”، وما قد يترتب على ذلك من “قدرات استهداف” تطال مواقع في المغرب وفرنسا على حد سواء، في تطور يثير تساؤلات حول أبعاد هذه الحملة الرقمية وتوقيتها.
“استهداف مواقع مغربية”
في منشور أول، نشرته منصة “ريبَار أفريكا” المتابعة للشؤون العسكرية في القارة الإفريقية، والتي تعرف بكونها مقربة من الأوساط العسكرية الروسية، جاء الحديث صريحا عن أن الطائرات المسيرة من طراز “غيران-2” التي قد تتسلمها الجزائر “لم تكن موجهة فقط لأهداف فرنسية”، بل يمكن أن تطال “الجيش المغربي في الصحراء”.
وقد أرفقت المنصة منشورها بخريطة تفاعلية تحدد ما أسمتها “الأهداف المحتملة” للطائرات المسيرة، وتوزعت هذه الأهداف على عدد من المدن المغربية، من بينها الدار البيضاء، المحمدية، القنيطرة، طنجة، بن جرير، أكادير، كلميم، العيون، الداخلة، بوجدور، وأكادير.
![]()
وتضمنت الخريطة تصنيفا لهذه الأهداف، بين مطارات عسكرية مثل مطار بن جرير، ومحطات رادار في طنجة والعيون والداخلة، ومستودعات نفطية في المحمدية وسيدي سليمان، إضافة إلى ميناء الداخلة. كما أظهرت الخريطة أن مدى “غيران-2” يصل إلى حوالي 1500 كيلومتر، وهو ما يغطي مساحات واسعة من التراب المغربي انطلاقا من قواعد افتراضية في الجزائر.
وتحدث المنشور عن “مزايا غيران-2 في مسرح العمليات”، مشيرا إلى كونها “منخفضة التكلفة نسبيا مع قدرة إنتاج كبيرة”، وقادرة على “إرهاق القوات الجوية المغربية والدفاع الجوي، مما يمهد الطريق للصواريخ”، وعلى “تدمير مستودعات النفط والبنيات التحتية الحيوية دون إهدار صواريخ أكثر تكلفة”، فضلا عن “استهداف محطات الرادار في مناطق ذات كثافة دفاع جوي منخفضة”.
“غيران-5”: تهديد يمتد إلى فرنسا
في منشور ثانٍ، رفعت المنصة ذاتها سقف الفرضيات، متسائلة: “ماذا لو حصلت الجزائر على درونات غيران-5 الروسية؟”، مشيرة إلى أن مداها الذي يصل إلى 1000 كيلومتر “لن يساعد فقط في تهديد المغرب، بل في ردع فرنسا” عبر استهداف قواعدها الجوية ومحطاتها النووية ومنشآت “إيرباص” ومصافيها النفطية.
وقد نشرت المنصة خريطة تظهر ما وصفتها بـ”الأهداف المحتملة للجزائريين في فرنسا”، وتوزعت هذه الأهداف على مواقع حساسة، من بينها محطة “سانت ألبان” النووية، ومنشأة “غولفيتش” النووية، ومصنع “فيرني-كارون” للأسلحة، ومركب “إيرباص” للإنتاج والاختبار، ومطار “بورجيه” ومطار “تريكاستان”، ومنشأة تخزين النفط والغاز في “فرونتنيان”، وميناء مرسيليا، ومصافي “فوز-سور-مير” البتروكيماوية، والقاعدة العسكرية “رافاييل” في كورسيكا.
وتضمن المنشور بطاقة تقنية لـ”غيران-5″، تصفها بأنها طائرة مسيرة هجومية نفاثة من صناعة روسية، يتراوح مداها بين 600 و1000 كيلومتر، وسرعتها بين 350 و600 كيلومتر في الساعة، وحمولتها القتالية بين 50 و90 كيلوغراما، ووزنها عند الإقلاع حوالي 850 كيلوغراما، وطولها يتراوح بين 6 و6.2 أمتار، وباع جناحيها بين 3.5 و5.5 أمتار.
![]()
قراءة في التوقيت والدلالات
تأتي هذه المنشورات في سياق إقليمي مشحون، يتسم بتصاعد التوترات بين المغرب والجزائر من جهة، وبتباين المواقف الدولية تجاه قضية الصحراء المغربية من جهة أخرى. وتثير هذه الحملة الرقمية، التي تنشرها منصة تعرف بارتباطها الوثيق بالدوائر العسكرية الروسية، جملة من التساؤلات حول أهدافها الحقيقية.
فمن جهة، يمكن قراءة هذه المنشورات كجزء من حرب نفسية وإعلامية موجهة، تهدف إلى إظهار الجزائر كقوة إقليمية قادرة على تهديد مصالح المغرب وحتى المصالح الفرنسية، في وقت تشهد فيه العلاقات الجزائرية-الفرنسية توترا غير مسبوق. ومن جهة أخرى، يبدو أن هذه المنشورات تعكس رغبة روسية في الترويج لصناعتها العسكرية في السوق الإفريقية، عبر إبراز قدرات أسلحتها في مواجهة “خصوم” محددين.
غير أن الملاحظ أن هذه المنشورات تستند إلى فرضيات وافتراضات، لا إلى معطيات مؤكدة، إذ تتحدث عن “ماذا لو” و”إمكانية”، وهو ما يمنحها طابعا تحريضيا أكثر من كونها تقارير استخباراتية موثقة. كما أن نشر خرائط لأهداف في العمق المغربي والفرنسي، في هذا التوقيت بالذات، يبدو محاولة لتصعيد الخطاب التهديدي وخلق حالة من القلق في الأوساط السياسية والعسكرية.
ردود فعل وتداعيات محتملة
لم تصدر بعد ردود رسمية مغربية أو فرنسية على هذه المنشورات، غير أن مراقبين يرون أن مثل هذه الحملات الرقمية، وإن كانت ذات طابع دعائي، قد تساهم في تأزيم العلاقات الإقليمية وتغذية سباق التسلح في منطقة المغرب الكبير، كما أنها تضع الجزائر أمام حرج كبير، إذ تجد نفسها، دون أن تعلن رسميا عن أي اقتناء لهذه المسيرات، مرتبطة في الإعلام الدولي بسيناريوهات استهداف دول الجوار.
وفي ظل غياب تأكيد رسمي من الجزائر حول اقتناء هذه الطائرات، يبقى السؤال مشروعا عما إن كانت هذه المنشورات مجرد مناورة إعلامية روسية لاختبار ردود الفعل، أم أنها تعكس توجها حقيقيا نحو تعزيز القدرات الهجومية الجزائرية بأسلحة روسية متطورة؟ وما مدى تأثير هذه الفرضيات على استقرار المنطقة وعلى ميزان القوى الإقليمي؟ أسئلة تبقى مفتوحة في انتظار تطورات الأيام المقبلة.