مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، تدخل الدولة المغربية مرحلة التعبئة الميدانية الكبرى، في واحدة من أكبر العمليات التنظيمية التي ترافق الاستحقاقات الانتخابية. فخلف صناديق الاقتراع والملصقات والحملات الانتخابية، تجري عملية واسعة لتأمين كل التفاصيل التي تجعل يوم الاقتراع عرساً ديمقراطياً لوجستيكياً ومادياً وبشرياً ورقمياً وتنظيمياً، خصوصاً وأن هذه الانتخابات تبقى استثنائية وتنظم في سياق استثنائي تحت مجهر 1700 ملاحظاً وطنياً ودولياً.
لذلك عبأت الدولة كافة الإمكانيات والمعطيات عبر خطة ممنهجة إدارياً ولوجستياً، لإيمانها بأن الانتخابات لم تعد مجرد موعد سياسي يختزل في يوم واحد، بل أصبحت ورشاً واسعاً يبدأ قبل أسابيع من فتح صناديق الاقتراع، ويمتد إلى لحظة إعلان النتائج.
لذلك، فإن 23 شتنبر لن يكون مجرد يوم للانتخاب، بل يوم اختبار لوجستي وإداري وسياسي في آن واحد. والتحدي الحقيقي لن يكون فقط في أن تكون الدولة مستعدة لتنظيم الاقتراع، وإنما في أن يشعر المواطن بأن هذا التنظيم الواسع يخدم أولاً وقبل كل شيء حقه في اختيار ممثليه بثقة ووضوح.
وتكشف المعطيات المقدمة من وزارة الداخلية دلالات عميقة، نقدمها على الشكل التالي:
15.8 مليون ناخب أمام جهاز انتخابي واسع
تأتي هذه التعبئة في سياق انتخابي يضم حوالي 15 مليوناً و800 ألف و136 ناخباً وناخبة مسجلين في اللوائح الانتخابية العامة. وهو رقم يجعل تنظيم الاقتراع عملية وطنية واسعة تحتاج إلى تنسيق بين الإدارة المركزية والسلطات الترابية ومكاتب التصويت والمكاتب المركزية وباقي المتدخلين.
حسب بلاغ الداخلية عقب المراجعة الاستثنائية للوائح الانتخابية العامة، فإن الهيئة الناخبة برسم انتخابات 2026 تضم 15 مليوناً و800 ألف و136 ناخبة وناخباً، مقابل 17 مليوناً و983 ألفاً و490 مسجلاً في الانتخابات التشريعية لسنة 2021.
ويعني ذلك أن عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية تراجع، مقارنة مع انتخابات 2021، بمليونين و183 ألفاً و354 مسجلاً، أي بنسبة تقارب 12.14 في المائة.
ولا يعني هذا التراجع أن عملية المراجعة لم تعرف إقبالاً على التسجيل، إذ أسفرت العملية عن تسجيل 391 ألف ناخبة وناخب جديد. وفي المقابل، شملت عملية تحيين اللوائح عدداً من حالات التشطيب والتنقية، من بينها 79 ألف حالة تسجيل مكرر، و39 ألف حالة فقدان للأهلية القانونية، إضافة إلى 81 ألف حالة وفاة.
وتُظهر هذه الأرقام أن الرقم النهائي للهيئة الناخبة لا يُحتسب بمجرد إضافة المسجلين الجدد إلى رصيد اللوائح السابقة، وإنما بعد إدماج عمليات التسجيل والتحيين والتشطيب والتنقية التي تشرف عليها اللجان الإدارية المختصة.
التكنولوجيا حاضرة بقوة في مسار الانتخابات
اللافت في انتخابات 2026 هو الحضور المتزايد للأدوات الرقمية في تدبير العملية الانتخابية. فقد جرى توفير حوالي 32 ألف هاتف ذكي، و1300 حاسوب وآلة، بهدف تسريع نقل المعطيات المتعلقة بالنتائج وربط مختلف مستويات الإدارة الترابية بالمصالح المركزية. كما تمت طباعة عشرات الآلاف من أوراق التصويت من خلال سبع مؤسسات مطبعية معتمدة.
وهنا تظهر إحدى التحولات المهمة في تدبير الانتخابات المغربية: الانتقال تدريجياً من منطق التدبير الورقي البطيء إلى منظومة تعتمد على سرعة تداول المعلومة، خصوصاً في الساعات الحساسة التي تلي إغلاق مكاتب التصويت وبدء الفرز وتجميع النتائج.
لكن التكنولوجيا، في حد ذاتها، لا تصنع انتخابات جيدة. قيمتها الحقيقية تظهر عندما توضع في خدمة الدقة والشفافية وسرعة المعلومة، وتقلل من هامش الخطأ والتأخير في مختلف مراحل العملية.
27 حزباً مشاركاً في استحقاقات شتنبر
وعلى مستوى المنافسة السياسية، حددت البوابة الوطنية للانتخابات عدد الأحزاب المشاركة في الاستحقاق التشريعي في 27 حزباً، فيما ينتظر أن يتنافس المرشحون على 395 مقعداً بمجلس النواب.
ورغم هذا العدد، فحسب المؤشرات والمعطيات، فالتنافس حول الفوز بالمقاعد 395 سيتم بين ثمانية أحزاب: هي الاستقلال، التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، الاتحاد الاشتراكي، التقدم والاشتراكية، الحركة الشعبية والعدالة والتنمية، وبعض الأحزاب منها الحركة الديمقراطية الاجتماعية والاتحاد الدستوري.
104 دوائر انتخابية للتنافس بين الأحزاب
تتوزع المقاعد البرلمانية بين 305 مقاعد على مستوى الدوائر الانتخابية المحلية، و90 مقعداً على مستوى الدوائر الانتخابية الجهوية. وتبلغ الخريطة الانتخابية 92 دائرة محلية و12 دائرة جهوية، أي ما مجموعه 104 دوائر انتخابية. وحسب اعتقادي، فأغلبية المقاعد ستوزع بين أحزاب الأغلبية الحكومية السابقة.
40 ألفاً و700 مكتباً للتصويت و3 آلاف و750 مكتباً مركزياً
أما على المستوى اللوجستي، فتستعد السلطات لتنظيم الاقتراع عبر 40 ألفاً و700 مكتب للتصويت، إلى جانب 3 آلاف و750 مكتباً مركزياً تتولى تجميع محاضر مكاتب التصويت وإحصاء الأصوات على مستوى الدوائر الانتخابية.
وتستدعي هذه العملية تعبئة بشرية واسعة، إذ تشير المعطيات المقدمة في إطار الاستعدادات الانتخابية إلى تعبئة نحو 350 ألف شخص لتأطير عملية الاقتراع ومكاتب التصويت.
1700 ملاحظاً وطنياً ودولياً… انتخابات تحت المجهر الدولي
وفي ما يخص الملاحظين، ينبغي التمييز بين أعداد الملاحظين الذين جرى اعتمادهم في انتخابات سابقة وبين العدد النهائي الخاص باستحقاقات 2026. لذلك، لا يمكن اعتماد رقم محدد باعتباره العدد الرسمي الـ…
وبذلك، تبدو الخريطة الرقمية لانتخابات 23 شتنبر واضحة في أبرز عناصرها: 15.800.136 ناخبة وناخباً مسجلاً، و27 حزباً مشاركاً، و395 مقعداً بمجلس النواب، موزعة على 92 دائرة محلية و12 دائرة جهوية، مع 40.700 مكتب للتصويت و3.750 مكتباً مركزياً.
ويبقى الرقم الذي سيحظى بأكبر قدر من الاهتمام يوم الاقتراع هو نسبة المشاركة الفعلية، باعتبارها المؤشر الذي سيكشف حجم انتقال الهيئة الناخبة من التسجيل في اللوائح إلى الحضور أمام صناديق الاقتراع.
الأهم في كل هذه الأرقام هو أن الدولة لا تواجه فقط تحدي توفير الوسائل، وإنما تحدي إدارة وتنظيم استحقاقات في سياق معقد.
وقد تم في هذا الإطار تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، التي تضم وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة، وأسندت إليها مهمة السهر على سلامة وصدق العملية الانتخابية في مختلف مراحلها.