ترسم المعطيات الرسمية الأخيرة للمراجعة الاستثنائية للوائح الانتخابية المحدثة في ال10 من يوليوز الماضي، مشهدا ديمغرافيا وسياسيا مفارقا قبل اقتراع 23 سبتمبر؛ فبينما انخفضت نسبة تسجيل الفئة الشابة (18-24 سنة) إلى مستويات غير مسبوقة لا تتجاوز 3%، قفز الوزن الانتخابي لكبار السن إلى نحو 30%، وهو تفاوت لا يكتفي بإعادة تشكيل القواعد الانتخابية، بل يضع الأحزاب السياسية أمام مأزق استراتيجي يتعلق بأولويات الخطاب وتكتيكات الاستقطاب.
فتظهر الأرقام المسجلة في اللوائح الانتخابية عمق الفجوة بين الأجيال الشابة والمؤسسات السياسية، غير أن القراءة العميقة لهذا المعطى تعكس أبعادا أعمق من مجرد عزوف انتخابي.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي رشيد لزرق أن انخفاض نسبة تسجيل الشباب إلى 3% يطرح مسألة أوسع تتعلق بضعف الاندماج السياسي والاجتماعي لهذه الفئة، مؤكدا أن جزءا مهما من الشباب لا يجد في القنوات الحزبية والمؤسساتية التقليدية مساحة كافية للتعبير عن انتظاراته المرتبطة أساسا بالشغل، والاستقلال الاقتصادي، والسكن، والحركية الاجتماعية، وهو ما يضعف شعوره بجدوى المشاركة الانتخابية.
وأضاف لزرق في تصريح خص به “بلبريس” أن هذا الانخفاض لا يعبر بالضرورة عن قطيعة مطلقة مع العمل السياسي بقدر ما يجسد تراجع الثقة في قدرة الوساطة الحزبية والعملية الانتخابية على إحداث أثر مباشر وملموس في الحياة اليومية للمواطن الشاب.
وأوضح المتحدث أنه في المقابل يلقي الصعود اللافت لنسبة الناخبين من كبار السن بظلاله على استراتيجيات الأحزاب؛ إذ تصبح هذه الفئة الحاسم الأبرز في معادلة الصناديق، مبرزا أن هذا الواقع الديمغرافي الجديد يدفع الهيئات السياسية إلى إعادة ترتيب برامجها التنافسية.
وأشار رشيد لزرق الى أن هذا الارتفاع سيدفع الأحزاب بصورة أكبر إلى تكييف خطابها وبرامجها لتستجيب لأولويات هذه الكتلة المنضبطة انتخابيا، حيث ستتجه البوصلة نحو القضايا الحيوية التي تمس حياتهم اليومية، وفي مقدمتها الحماية الاجتماعية، والتغطية الصحية، وتحسين أنظمة التقاعد، وتوفير الخدمات العمومية، وصيانة القدرة الشرائية ومواجهة غلاء المعيشة، مضيفا أنه رغم الانزياح الاضطراري للأحزاب نحو استرضاء الكتلة الناخبة الأكبر سنا لحصد نتائج ظرفية في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، فإن التغاضي عن الفئة الشابة يحمل مخاطر هيكلية على المدى البعيد.
وشدد المحلل السياسي على أن الرهان الانتخابي لم يحسم نهائيا لصالح كبار السن، مبرزا أن تجاهل الشباب قد يحقق مكاسب انتخابية سريعة، لكنه يضعف قدرة الأحزاب على التجدد والاستمرار على المدى المتوسط والطويل.
وعن إمكانية استعادة ثقة الأجيال الشابة، أوضح رشيد لزرق أن الأمر لن يتحقق بمجرد تكرار الخطابات الحماسية أو الاكتفاء بالترشيح الرمزي للشباب، بل يتطلب إدماج قضاياهم الفعلية في صلب البرامج والسياسات العمومية، وتقديم معنى ملموس وواقعي للمشاركة السياسية، وجسر الفجوة بين الوزن الديمغرافي للشباب وحضورهم الانتخابي.
وفي سياق متصل، أكد المحلل السياسي محمد شقير أن منهجية التسجيل الحالية أصبحت متجاوزة؛ حيث إن تشبث السلطة لسنوات بضرورة إعادة التسجيل قبيل كل استحقاق بدلا من الاعتماد على التصويت التلقائي بالبطاقة الوطنية ينفر الشباب ويثير التوجس من إمكانية التحكم في سير الانتخابات.
وأوضح شقير في تصريح “لبلبريس” أن عدم الاعتماد على التسجيل الرقمي السلس، في وقت ينغمس فيه معظم الشباب في الفضاء الأزرق، جعل العملية تواجه تعثرات واضحة رغم تكرار فتح باب التسجيل.
وأبرز المتحدث ذاته أن هذا العزوف يعكس ترسخ فكرة لدى الشباب بجدوى المشاركة، خاصة بعدما أثبتت تجارب سابقة عدم انعكاس النتائج على وضعيتهم، وهو ما تجلى في تحركات الاحتجاج الشبابي أو الهجرة وإشارات الهروب الجماعي، مشيرا إلى أن الإعراض عن التسجيل يعد مؤشرا حتى على احتمال عزوف الشباب المسجلين أصلا عن الذهاب إلى الصناديق يوم الاقتراع.
وفي ما يتصل باستراتيجيات الأحزاب، أوضح محمد شقير أن تمرس الهيئات السياسية بالانتخابات جعلها لا تركز كثيرا على الفئات الشابة، خاصة مع إلغاء اللائحة الجهوية للشباب والاعتماد على الدعم المالي العمومي؛ حيث اتجهت للترشيح المباشر للوجوه السابقة و”الأعيان” ممن يمتلكون شبكات علاقات وخزانا انتخابيا ضامنا للفوز بالمقاعد.
وأضاف شقير أن الأحزاب قد تلجأ لاستغلال هذه الفئة الشبابية غير المسجلة كتكتيك انتخابي أو “حطب للتنافس” عبر شبكات التواصل، للتأثير على عائلاتهم أو لتوزيع المنشورات ورفع اللافتات.
وخلص المحلل السياسي إلى أن الأحزاب، ولكي توازن بين الخطاب الرسمي الداعي للتشبيب ومصالحها الانتخابية، اختارت استراتيجية مزدوجة ترتكز على إطلاق مبادرات موجهة للشباب عبر شبكاتها الرقمية وشبيباتها الحزبية، لكنها في العمق تراهن أساسا على الوجوه المألوفة والأعيان لتوفير حظوظ ظفرها بأغلبية المقاعد وتصدر انتخابات 2026.