لم تعد علاقة الشباب المغربي بالمؤسسات تُقاس فقط بدرجة مشاركته في الحياة السياسية أو بمدى حضوره داخل الأطر التقليدية، بعدما أفرز التحول الرقمي أنماطاً جديدة للتواصل والتعبير والتنظيم. ويخلص المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن هذه التحولات المتسارعة لم تجد، إلى حدود الآن، ما يكفي من المواكبة داخل السياسات العمومية والمؤسسات، ما أسهم في اتساع فجوة الفهم والتواصل بين جيل شاب يعيد صياغة طرق تعبيره وفاعلون مؤسساتيون ما زالوا يعتمدون، في جزء كبير منهم، على أدوات تقليدية.
ويشير المجلس، في تقريره السنوي لسنة 2025، إلى أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة يمثلون نحو 32 في المائة من سكان المغرب، أي ما يقارب 12 مليون نسمة، مؤكداً أن هذه الفئة لا يمكن التعامل معها باعتبارها كتلة متجانسة، بالنظر إلى اختلاف مساراتها ووضعياتها الاجتماعية والاقتصادية والمجالية، وتفاوت استفادتها من فرص الشغل والتكوين والخدمات الأساسية.
ويرى التقرير أن التحولات التي يعيشها الشباب لا تتعلق بمجرد تغيير في وسائل التواصل، وإنما تمتد إلى إعادة تشكيل أنماط التعبير والالتزام والمشاركة في الحياة العامة، بفعل الانتشار الواسع للمنصات الرقمية وتسارع تداول المعلومات وظهور فضاءات جديدة للنقاش وتبادل الأفكار خارج الأطر التقليدية.
ويبرز المجلس أن فهم الشباب المغربي لم يعد ممكناً بالاعتماد على عامل السن وحده، وإنما يستوجب استحضار اختلاف البروفايلات والمسارات والسياقات الترابية والاستخدامات الاجتماعية والرقمية، بما يسمح بتصميم سياسات عمومية أكثر دقة وقدرة على الاستجابة لانتظارات مختلف فئات الشباب.
ويصف التقرير هذا الجيل بأنه شديد الارتباط بالعالم الرقمي، إذ نشأ على الاستخدام المكثف للأدوات والمنصات الرقمية في التواصل والحصول على المعلومات والتعلم والعمل والتفاعل الاجتماعي. وبحسب المجلس، فإن هذا الانغماس الرقمي لم يغير فقط طريقة التواصل، بل ساهم في إعادة تشكيل الروابط الاجتماعية، بعدما أصبحت التفاعلات تجري داخل فضاءات هجينة تتداخل فيها الأبعاد الشخصية والدراسية والمهنية والعامة.
كما أدى هذا التحول إلى ولوج أكثر مباشرة إلى المعلومات وتنوع أكبر في مصادرها، مقابل تراجع نسبي لدور وسائط تقليدية كانت تضطلع بأدوار أساسية في نقل المعرفة والقيم والمعايير الاجتماعية. ويشير التقرير إلى أن الشباب باتوا أكثر تعرضاً لمضامين متنوعة تنتمي في كثير من الأحيان إلى سياقات دولية، ما يوسع دائرة المرجعيات التي يستندون إليها في تشكيل تصوراتهم ومواقفهم.
ويؤدي هذا الانفتاح، وفق التقرير، إلى مقارنة الشباب أوضاعهم وتجاربهم بتجارب أخرى عبر العالم، وهو ما يمكن أن يرفع سقف التطلعات ويغذي، في بعض الحالات، مشاعر التوتر والإحباط، في وقت تتزايد فيه انتظاراتهم من المؤسسات، خصوصاً على مستوى وضوح المساطر وإشراكهم في القرارات التي تمس حياتهم ومستقبلهم.
وفي موازاة ذلك، تتسع أشكال التعبير الشبابي لتشمل المدونات والبودكاست والمنصات الرقمية المختلفة، التي تحولت إلى فضاءات لإنتاج المحتوى والتعبير عن المواقف والانشغالات والطموحات. ومن خلالها، يطرح الشباب قضايا ترتبط بالاستقلالية والاعتراف الاجتماعي والرفاه والشغل اللائق، فضلاً عن المطالبة بهامش أوسع للتعبير والإبداع.
ولا يقتصر الأمر على المجال الاجتماعي والثقافي، بل امتد إلى المجال السياسي، حيث يرصد المجلس تنامي ما يسميه “النضال الرقمي”، عبر استخدام تطبيقات التواصل في التنظيم والتنسيق السريع وتبادل المعلومات، بما يتيح أنماطاً من التواصل الفوري والمباشر والتشاركي تتجاوز الوسائط التقليدية.
ويربط التقرير هذه الدينامية أيضاً بتراجع مستوى الثقة في عدد من المؤسسات السياسية التقليدية، مرجعاً ذلك إلى عوامل من بينها محدودية قدرة النخب السياسية على تقديم حلول مقنعة للأزمات الاقتصادية والاجتماعية، والتمثلات المرتبطة بنزاهة الحياة السياسية، إضافة إلى ضعف تجديد النخب ومحدودية حضور الشباب داخل الأجهزة التقريرية للأحزاب السياسية.
وفي المقابل، يشير التقرير إلى أن مراجعة الإطار المنظم للانتخابات التشريعية في أكتوبر 2025 تضمنت إجراءات تهدف إلى تعزيز مشاركة الشباب، من خلال تبسيط شروط الترشح وإقرار تحفيزات مالية للمساهمة في تغطية جزء من تكاليف الحملات الانتخابية، إلى جانب إلزام الأحزاب بإشراك الشباب في تأسيسها وتحفيز مشاركتهم في المسار الانتخابي.
غير أن المجلس يسجل استمرار فجوة في فهم المؤسسات لبعض التعبيرات الجديدة للشباب، موضحاً أن بعض السلوكيات والمعايير الثقافية المستجدة قد تُستقبل باعتبارها خروجاً عن المرجعيات السائدة، وهو ما قد يؤدي إلى إطلاق أحكام قيمة أو ممارسة أشكال من الوصم تجاه بعض الممارسات الشبابية.
ويرجع التقرير هذه الفجوة إلى محدودية فهم الديناميات الشبابية المتسارعة، خصوصاً المرتبطة بالاستخدامات الرقمية، وضعف التواصل بين الأجيال، فضلاً عن نقص الدراسات الميدانية والإحصائية والاجتماعية المحينة التي يمكن أن توفر قراءة دقيقة لهذه التحولات.
وفي الوقت نفسه، لا يعزل المجلس مظاهر التوتر التي قد تظهر لدى بعض الشباب عن محيطها الاجتماعي والاقتصادي، إذ يربطها بعوامل بنيوية تشمل الهشاشة الاقتصادية والتفاوتات المجالية ونقص فضاءات التعبير والتنشئة الاجتماعية، إلى جانب محدودية آليات المواكبة النفسية والاجتماعية.
ويحذر التقرير من أن البيئة الرقمية نفسها تطرح تحديات متزايدة، خصوصاً في ما يتعلق بالأمن السيبراني وحماية المعطيات الشخصية والتضليل الإعلامي. كما أن صعوبة التمييز بين التعبئات العفوية وتلك الموجهة عبر المنصات الرقمية أصبحت، بحسب المجلس، تحدياً متنامياً، في ظل الخصائص التي تتيحها هذه المنصات، ومن بينها إمكانية إخفاء الهوية.
ويشير المجلس كذلك إلى تنامي المخاطر المرتبطة بالاستغلال الرقمي، في وقت لا تزال جهود التحسيس بالأمن الرقمي متفاوتة داخل الأوساط التعليمية والاجتماعية والمهنية، وهو ما يفرض، وفق التقرير، تعزيز ما يسميه “المناعة الرقمية”، بما يسمح للمواطنين بتطوير قدراتهم على التمييز النقدي وتحليل المضامين والتعامل الواعي مع التقنيات والأنظمة الذكية.
وأمام هذه التحولات، يدعو المجلس إلى وضع استراتيجية وطنية مندمجة للشباب لا تقتصر على معالجة الهشاشة الاقتصادية، وإنما تستحضر التحولات الرقمية والثقافية والاجتماعية التي أعادت تشكيل مرجعيات الأجيال الشابة وتطلعاتها وطرق مشاركتها.
ويقترح في هذا السياق تسريع إنجاز الدراسات الإحصائية والاجتماعية حول التعبيرات الشبابية الجديدة، وتعبئة الجامعات والمندوبية السامية للتخطيط لفهم الديناميات الناشئة، مع إدماج تنوع المسارات والبروفايلات والسياقات الترابية والاستخدامات الاجتماعية والرقمية في إعداد السياسات العمومية.
كما يدعو إلى تطوير التواصل المؤسساتي بما ينسجم مع لغات الشباب التعبيرية وفضاءاتهم الرقمية، والحد من النظرة الوصمية تجاه ممارساتهم، إلى جانب إحداث آليات للاعتراف بالتعبيرات الشبابية الجديدة في المجالات الثقافية والفنية والمدنية، وتوسيع شبكة دور الشباب وتأهيلها وتوفير فضاءات للتفتح الثقافي والرياضي والرقمي.
ومن بين المقترحات أيضاً إحداث هيئة وطنية تتولى تنسيق وتتبع وتقييم البرامج الموجهة إلى الشباب وضمان تنزيلها على المستوى الترابي، فضلاً عن الإسراع بتفعيل المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي ليشكل فضاءً مؤسساتياً حقيقياً للإنصات والحوار والمشاركة.
ويعتبر المجلس أن هذه التوصيات تظل ذات طابع استرشادي في انتظار إعداد رأي خاص حول “التعبيرات الشبابية الجديدة” خلال سنة 2027، يرتكز على بحث ميداني بشراكة مع المندوبية السامية للتخطيط، بهدف تعميق فهم التحولات التي يعرفها الشباب المغربي وصياغة سياسات عمومية أكثر قدرة على مواكبتها.
وتأتي خلاصات المجلس في سياق نقاش أوسع حول التحولات التي أفرزتها احتجاجات “جيل زد” التي انطلقت في أواخر شتنبر 2025، والتي كشفت عن أشكال جديدة من التعبئة اعتمدت بدرجة كبيرة على المنصات الرقمية، وفي مقدمتها تطبيق “ديسكورد”، الذي تحول إلى فضاء للتنسيق والنقاش وتبادل المواقف والتصويت على بعض الخطوات التنظيمية، بعيداً عن البنيات التقليدية للأحزاب والنقابات.
وشهدت تلك الاحتجاجات انتشاراً في عدد من المدن، ورفعت مطالب اجتماعية ارتبطت أساساً بتحسين خدمات الصحة والتعليم ومحاربة الفساد وتوفير فرص الشغل، قبل أن تعرف بعض المناطق مواجهات وأعمال عنف، فيما شدد منظمو الحراك، عبر بياناتهم على المنصات الرقمية، على تمسكهم بالطابع السلمي للاحتجاج وتبرؤهم من أعمال التخريب.
وقد ساهمت هذه الدينامية في إعادة طرح سؤال علاقة الدولة بالشباب، وأهمية تجديد قنوات التواصل والتمثيل والمشاركة، في ظل جيل أصبحت المنصات الرقمية بالنسبة إليه فضاءً أساسياً للتعبير والتنظيم وصناعة النقاش العام.