كشفت تصريحات رئيس حزب “فوكس” الإسباني، سانتياغو أباسكال، عن محاولة واضحة لاستثمار أزمة الهجرة الأخيرة بسبتة المحتلة سياسيا، عبر توجيه الاتهامات في آن واحد إلى الحكومة الإسبانية والمغرب، في سياق يتزامن مع تصاعد الاستقطاب الداخلي في إسبانيا واقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
ولم يكتف زعيم اليمين المتطرف بتحميل حكومة بيدرو سانشيز مسؤولية ما جرى، بل عمد إلى توظيف الأزمة لإحياء الخطاب التقليدي لحزبه القائم على ربط الهجرة بالتهديدات الأمنية، مقدما المغرب باعتباره طرفا يقف وراء ما وصفه بـ”عمل عدائي”، ومطالبا بإجراءات غير مسبوقة تشمل عسكرة الحدود وإغلاق معبر سبتة وتعليق الامتيازات التجارية الممنوحة للمغرب من قبل الاتحاد الأوروبي.
ويبدو أن “فوكس” يسعى إلى تحويل الأحداث التي شهدتها سبتة إلى ورقة ضغط مزدوجة، فمن جهة يهاجم حكومة سانشيز ويتهمها بالفشل في حماية الحدود، ومن جهة أخرى يحاول تأليب الرأي العام الإسباني ضد المغرب عبر تصوير الأزمة باعتبارها “غزوا” يستهدف السيادة الإسبانية، وهو خطاب دأب الحزب على تبنيه في كل الأزمات المرتبطة بالهجرة.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تؤكد فيه الحكومة الإسبانية باستمرار أن التعاون الأمني مع المغرب يعد أحد أهم ركائز تدبير الهجرة غير النظامية، وأن التنسيق بين البلدين أسهم خلال السنوات الماضية في الحد من محاولات العبور وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر، وهو ما يجعل خطاب “فوكس” متعارضا مع المقاربة التي تعتمدها مدريد في إدارة هذا الملف.
كما تعكس تصريحات أباسكال محاولة لاستغلال البعد الإنساني للأحداث وتحويله إلى مادة للصراع السياسي الداخلي، إذ ركز على أرقام ووصف الأزمة بأنها “هجوم” و”غزو”، في إطار خطاب ينسجم مع توجهات الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، التي توظف ملفات الهجرة والأمن والحدود لاستقطاب الناخبين وتعزيز حضورها السياسي.
ويرى متابعون أن تحميل المغرب مسؤولية ما جرى يندرج ضمن استراتيجية الحزب الرامية إلى خلق خصم خارجي يوازي خصمه الداخلي المتمثل في حكومة سانشيز، بما يسمح له بتقديم نفسه باعتباره المدافع عن “السيادة الإسبانية”، رغم أن العلاقات المغربية الإسبانية في مجال مكافحة الهجرة تقوم على تعاون وثيق تعتبره مدريد والاتحاد الأوروبي عنصرا أساسيا في ضبط الحدود الجنوبية للقارة الأوروبية.
وبذلك، تبدو أزمة سبتة بالنسبة إلى حزب “فوكس” فرصة سياسية أكثر منها مجرد ملف أمني، إذ يحاول توظيفها لتقوية خطابه الانتخابي، ومهاجمة الحكومة الاشتراكية، والضغط على المغرب في آن واحد، في إطار خطاب تصعيدي يعكس توجهات اليمين المتطرف أكثر مما يعكس طبيعة العلاقات الرسمية بين الرباط ومدريد.