تأتي الخطب الملكية بمناسبة عيد العرش المجيد لتشكل دائماً وثيقة مرجعية تؤطر المسار الاستراتيجي للدولة، وتُحدد بوصلة توجهاتها الكبرى على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث لا تقف أهميتها عند حدود التوجيه السياسي المباشر، بل تتجاوز ذلك لتشكل مادة خصبة للتحليل المنهجي الدقيق الذي يستقرئ التحولات الهيكلية والرؤى التنموية للمملكة. وفي هذا السياق، يكتسي خطاب العرش لسنة 2026 أهمية استثنائية، بالنظر إلى ما أفرزه التفكيك المنهجي لمتنه النصي بشقيه الكمي والنوعي من مؤشرات ودلالات حاسمة، تأتي في مقدمتها صدارة مفهوم “الأمن والاستقرار” كمتغير تفسيري محوري وركيزة أساسية تُبنى عليها كافة الرهانات التنموية.
وتأسساً على ذلك، يسعى هذا المقال إلى قراءة المضمون المفهومي للخطاب الملكي، من خلال إبراز كيف تحول الاستقرار المؤسساتي والسياسي إلى معادلة حركية ومركب أساسي يُحفز الدينامية الاقتصادية، وتتفرع عنه باقي الإنجازات القطاعية والشراكات الاستراتيجية للمملكة، وذلك عبر مسار متسلسل يربط بين نتائج القياس النصي للخطاب وأبعاده السياسية والتنموية على أرض الواقع.
وفي هذا الصدد توزع متن الخطاب البالغ تسعمائة وتسعين كلمة على ثلاث وخمسين فقرة نصية تصدرتها وحدتين معجميتين محوريتين بمؤشرين أساسيين هما التكرار المطلق الذي يمثل عدد مرات ورود الوحدة أو جذرها بمختلف صيغه الصرفية عبر النص كاملا، والوزن النسبي المحتسب بنسبة حضور الوحدة إلى إجمالي الكلمات الفعلية للخطاب، إذ تكشف المعطيات الإحصائية،تصدر وحدة “المغرب/المملكة/بلادنا” بـتسعة عشر تكراراً وبوزن نسبي يبلغ 1,92%، تليها وحدة “التنمية/تنموي” بـثمانية تكرارات وبنسبة 0,81%، ثم كتلتا “الأمن/أمن” وعبارة النداء الافتتاحي “شعبي العزيز” بـسبعة تكرارات ونسبة 0,71% لكل منهما، لتأتي بعدها وحدات “الإنجاز/تحقق/حقق” و”استراتيجي/استراتيجية” بـستة تكرارات ونسبة 0,61%، ثم وحدات “الاستقرار/استقر” و”المؤسسات/مؤسسي” و”الاعتزاز/الفخر” بـخمسة تكرارات وبنسبة 0,51%، وصولاً إلى وحدات “الشراكة/شريك/شركاء” و”التطلع/نتطلع/تطلعات” و”التوجه/توجه” بـأربعة تكرارات ونسبة 0,40%، وكذا وحدات “الثقة” و”السيادة” و”المكاسب” بـثلاثة تكرارات ونسبة 0,30%، وأخيراً وحدة “التحدي/تحديات” بتكرار واحد ونسبة 0,10%.
وبناءً على هذه المعطيات الاحصائية يتضح وجود معطى منهجي حاسم يتجلى في كون وحدة “المغرب/المملكة” تتصدر الترتيب بوصفها المرجع الذاتي للخطاب وهي بذلك وحدة إحالية لا وحدة موضوعاتية بالمعنى الدقيق، بحكم أنه يستحيل بناء خطاب ملكي دون استحضار متكرر لاسم الدولة ذاتها، بينما تتبدى الوحدة الأكثر دلالة تحليلياً، والتي تحمل مضمونا موضوعاتيا فعليا لا إحاليا، في كتلة “الأمن/الاستقرار” التي يبلغ مجموع صيغها المشتركة اثني عشر تكراراً بوزن نسبي إجمالي يقارب 1,21%، متقدمة بذلك على وحدة “التنمية” منفردة بـثمانية تكرارات ونسبة 0,81%، وعلى كافة الوحدات الأخرى، مما يجعل من كتلة الأمن والاستقرار الوحدة المركزية الفعلية للخطاب من الناحية الكمية الصرفة.
وحيث إن التكرار لا يكتسب قيمته التحليلية من مجرد وروده العددي بل من موقعه البنيوي داخل الخطاب ومن الوظيفة الحجاجية التي يؤديها في كل سياق يظهر فيه، فإنه يتضح من تتبع مواضع ورود كتلة “الأمن/الاستقرار” أنها تُوظَّف محوريةً في أربع لحظات مفصلية، تبدأ بلحظة التقديم القيمي التي يُقدَّم فيها الأمن والاستقرار بوصفه أول ما يبعث على الفخر والاعتزاز ويحتل الصدارة القيمية قبل أي مؤشر اقتصادي أو اجتماعي لاحق، وتمر بلحظة المقارنة الإقليمية التي يُرفع فيها الاستقرار إلى مرتبة العملة النادرة والرأسمال الاستراتيجي في مقابل محيط إقليمي ودولي مطبوع بكثرة التقلبات والاضطرابات مما ينقل المعيار من التقييم المطلق إلى التقييم النسبي المقارن، ثم تنتقل إلى لحظة العلية الاقتصادية التي يُستحضر فيها الأمن والاستقرار كسبب مباشر لتزايد المؤشرات الإيجابية والصعود الاقتصادي في بنية سببية صريحة تجعل من الاستقرار المتغير المستقل وكل الإنجازات اللاحقة متغيرات تابعة له، لتصل أخيراً إلى لحظة الختم الرمزي التي يُستعاد فيها الاستقرار في السطر الأخير مقرونا بتحية القوات المسلحة والدرك والأمن الوطني ليغلق الخطاب دائرته على المفهوم نفسه الذي افتتح به مضمونه، وهو ما يكشف أن هذا التكرار الاستراتيجي يمثل آلية تثبيت معرفي تسعى إلى ترسيخ معادلة مفادها أن الاستقرار هو الشرط السابق والمُنتِج لكل ما عداه من مكاسب ضمن بنية علية تصاعدية يتحول فيها المفهوم المجرد إلى فاعل سردي يحرك بقية العناصر.
واتصالاً بذلك، تكشف القراءة التسلسلية لفقرات الخطاب عن انتظام دقيق في وظائفها الخطابية، حيث تفتتح الفقرتان الأولى والثانية الخطاب بـالبسملة لتأسيس الشرعية الروحية وتقسيم النص إلى وحدات موضوعاتية، تليها الفقرة الثالثة بـتأطير زمني لمناسبة الاحتفال بالذكرى تهيمن عليه مشاعر الاعتزاز والارتياح، ثم الفقرات من الرابعة إلى السادسة التي تبني الصورة الذاتية للملك كحامل أمانة ومسؤولية لكرس شرعية الحكم بوصفها تكليفا لا تشريفا، تعقبها الفقرات من السابعة إلى التاسعة لترسيخ الاعتزاز بالمنجز والثقة بالمستقبل عبر تأسيس معيار المنهج كتفسير للنجاح، وصولاً إلى الفقرة الحادية عشرة التي تدخل ثنائية تقابلية بين الثقة والتفاؤل وخطابات اليأس والإحباط لاستبعاد طرح التثبيط وتوجيه البوصلة نحو الإيجابية، ثم تتكثف الذروة المفهومية في الفقرات من الثانية عشرة إلى الرابعة عشرة عبر بلورة معادلة الاستقرار بوصفه رأسمالاً استراتيجياً وعاملاً أساسياً في التنمية.
وتنتقل الفقرات من السادسة عشرة إلى العشرين نحو المستوى المؤسساتي وإدارة الأزمات لإثبات نجاعة المؤسسات، لتأتي الفقرة الواحدة والعشرون محملة بالمؤشر الاقتصادي المركزي المتمثل في نسبة نمو قدرها 4,9% كدليل احصائي ملموس لتعقبها الفقرات من الثانية والعشرين إلى الثلاثين مستعرضة الحصيلة القطاعية في الصناعة والفلاحة والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر لتراكم الإقناع عبر التراكم الكمي ثم الفقرات من الثانية والثلاثين إلى الرابعة والثلاثين التي تُدخل معجم السيادة والأمن السيبراني والصناعات الدفاعية لربط الأداء الاقتصادي بمنطق الحماية الوطنية، تليها الفقرة الخامسة والثلاثون المخصصة للسياحة بوظيفة إثباتية رقمية، فالفقرات من السادسة والثلاثين إلى الأربعين التي توجه القطاع المالي نحو التنمية الترابية والادخار، ثم الفقرات من الثانية والأربعين إلى الخامسة والأربعين التي تصوّر مكانة المغرب الدولية وشراكاته القائمة على الثقة، لتأتي الفقرتان السابعة والأربعون والثامنة والأربعون لتثبيت الاستمرارية الملكية فوق التقلب الحكومي الدوري وتجاوز الزمن السياسي الضيق، وتتلوهما الفقرات من التاسعة والأربعين إلى الحادية والخمسين بتحية المؤسسة الأمنية والعسكرية والختم بالشهداء لإغلاق الخطاب بدائرته المفهومية الأولى، حتى نصل إلى الفقرتين الثانية والخمسين والثالثة والخمسين اللتين تختتمان النص بإطار مرجعي ديني متجانس.
وحيث إن القياس الكمي المتجلي في تصدر كتلة الأمن والاستقرار بوزن نسبي بلغ 1,21% يتقاطع كلياً مع القياس النوعي المتمثل في توزع هذه الكتلة على اللحظات المفصلية الأربع، فإن ذلك يؤكد أن الفكرة المركزية الجامعة للخطاب تكمن في “معادلة الأمن والاستقرار” التي تصوّر الاستقرار السياسي والمؤسسي بوصفه المتغير التفسيري الأول والشرط الشارح لكل تراكم اقتصادي واجتماعي لاحق، مما يبرر جعل هذا المفهوم الخيط الناظم الذي تتفرع عنه بقية المحاور التنموية والصناعية والسياحية والشراكات الدولية.
وتأسساً على ما سبق، تجد معادلة الاستقرار سندا موضوعيا في التقارير الاقتصادية الدولية المتخصصة التي تصف أداء المغرب خلال هذه المرحلة بالأقوى خلال عقد كامل مدفوعاً بنمو بلغ نحو 4,9% وانتعاش فلاحي واستثمار عمومي غير مسبوق في البنى التحتية، فضلاً عن استحواذ قطاع السيارات على ثلث الصادرات الوطنية بقدرة إنتاجية تقارب مليون سيارة سنويا، وتصدر المملكة لمؤشر التصنيع الأفريقي، وتسجيل تسعة عشر مليونا وثمانيمائة ألف سائح بعائدات تجاوزت ثلاثة عشر مليار دولار، إلى جانب التراجع المستمر في معدلات الفقر وتوسع التغطية الصحية لتشمل 90% من السكان، والاستفادة من آليات تمويل احترازية دولية بفضل احتياطيات أجنبية تغطي خمسة أشهر من الواردات وارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 26%، وهي أرقام تمنح المعادلة الملكية سنداً تجريبياً يثبت أن الاستقرار ينتج الثقة التي تجلب الاستثمار.
وبناءً على هذا الاتساق المتكامل بين البنية الكمية والبنية النوعية للخطاب، وبين القراءات الاقتصادية الدولية المتخصصة، يثار سؤال اشمل متجاوز لظرفية المناسبة وتأطيرها الزمني الراهن، مفاده: إذا كان المغرب قد نجح في تحويل الاستقرار المؤسسي والأمني من مجرد معطى داخلي مجرد إلى معادلة تفسيرية ومُنتجة مقبولة داخلياً وخارجياً، فكيف يمكن لهذه المعادلة الوطنية، في أفق استحقاقات عام 2030 وما بعدها، أن تتسامى لتغدو أنموذجاً مرجعياً يُلهم الفضاءات الإقليمية المحيطة بها، سواء على مستوى الفضاء المغاربي الذي يتطلع إلى الخروج من حالة التعطل الهيكلي وتفعيل تكامله الاستراتيجي، أو على الصعيد العربي الذي يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة بناء معادلة الأمن والتنمية على أُسس مؤسساتية صلبة، وصولاً إلى العمق الأفريقي الذي يجد في التجربة المغربية منصة واقعية لإثبات أن الاستقرار المؤسسي هو المحرك الأول للسيادة الاقتصادية والتحول التنموي الشامل، وهو تساؤل استراتيجي مفتوح لا تتكفل بالنزول النهائي فيه أدوات التحليل المفهومي وحدها، بل تنهض بصياغة إجاباته الحاسمة الوقائعُ القادمة في المنطقة ومساراتُ المستقبل.
الدكتور مولاي بوبكر حمداني رئيس مركز التفكير الاستراتيجي والدفاع عن الديمقراطية s