قبل أشهر من انطلاق الاستحقاقات التشريعية والجماعية، دخلت الأحزاب السياسية مرحلة تعد الأكثر حساسية في مسارها التنظيمي، بعدما تحولت معركة التزكيات إلى واجهة الصراع الحقيقي داخل عدد من التنظيمات. وبينما يفترض أن تشكل هذه المرحلة مناسبة لاختيار أفضل الكفاءات القادرة على إقناع الناخبين، تكشف الوقائع عن سباق محموم تتحكم فيه موازين النفوذ والمال والحسابات الانتخابية، في مشهد يعكس أزمة عميقة في بنية العمل الحزبي أكثر مما يعكس دينامية ديمقراطية داخلية.
غليان الانتخابات
وتعيش أحزاب كبرى ومتوسطة حالة غليان غير مسبوقة بسبب التنافس على اللوائح المحلية والجهوية، بما فيها اللوائح المخصصة للشباب والنساء، حيث يخوض قياديون ومنتخبون وأعيان ووافدون جدد معارك صامتة وأخرى معلنة من أجل انتزاع التزكية التي أصبحت بالنسبة إلى كثيرين بوابة العبور نحو المؤسسات المنتخبة. ومع اقتراب موعد الانتخابات، تتزايد عمليات الاستقطاب، ويشتد التنافس بين الأحزاب لاستقطاب أسماء وازنة ورجال أعمال وأعيان يملكون القدرة على حشد الأصوات، في وقت يتراجع فيه النقاش حول البرامج السياسية والمشاريع المجتمعية.
وتشير مصادر متطابقة لـ”بلبريس” إلى أن التنافس حول التزكيات لم يعد مجرد اختلاف تنظيمي طبيعي بين المناضلين والقيادات، بل تحول في عدد من الحالات إلى صراع على مراكز النفوذ داخل الأحزاب، تتداخل فيه الولاءات الشخصية مع الحسابات الانتخابية. فبدل الاحتكام إلى معايير واضحة وشفافة، أصبحت عملية اختيار المرشحين مرتبطة في كثير من الأحيان بموازين القوة داخل الأجهزة القيادية، وهو ما يفتح الباب أمام اتهامات متكررة بغياب الديمقراطية الداخلية وبروز ممارسات توصف بالتحكم في الترشيحات.
ويؤكد مراقبون أن التحولات التي تعرفها مرحلة ما قبل الانتخابات تكشف أن التزكية الحزبية فقدت لدى بعض التنظيمات بعدها السياسي، لتصبح ورقة انتخابية تمنح لمن يملك أوفر الحظوظ في الفوز، بغض النظر عن مساره النضالي أو حضوره داخل الحزب. وهو ما يفسر تصاعد الحديث كل موسم انتخابي عن شبهات السمسرة في التزكيات أو تغليب الاعتبارات المالية والانتخابية على معايير الكفاءة والاستحقاق، الأمر الذي ينعكس سلبا على صورة الأحزاب وثقة المواطنين في العملية السياسية.
الترحال السياسي يربك الأحزاب
وفي خضم هذا السباق، برزت من جديد ظاهرة الترحال السياسي، بعدما أصبحت بعض الأحزاب تستقبل منتخبين ومرشحين قدموا من تنظيمات تختلف معها في المرجعية والتوجهات، فقط لأنهم يمتلكون خزانا انتخابيا أو نفوذا محليا يمكن أن يعزز حظوظها في المنافسة. ويرى متابعون أن هذه الظاهرة تكشف تراجعا لافتاً في حضور البعد الإيديولوجي داخل الحياة الحزبية، بعدما أصبحت الاعتبارات الانتخابية تتقدم على الانسجام الفكري والسياسي، بما يجعل الانتماء الحزبي مجرد محطة ظرفية نحو مقعد انتخابي وليس تعبيرا عن قناعة سياسية.
ولا تقف تداعيات هذه الممارسات عند حدود الصراعات الداخلية، بل تمتد إلى صورة الديمقراطية التمثيلية نفسها. فحين تتحول المنافسة إلى صراع على المواقع بدل التنافس حول الأفكار والبرامج، تتراجع السياسة باعتبارها مجالا لإنتاج الحلول، وتتحول الانتخابات إلى سباق بين شبكات النفوذ والإمكانات المالية، وهو ما يعمق أزمة الثقة التي تعاني منها الأحزاب منذ سنوات.
وتتجلى هذه الأزمة أيضا في الطريقة التي يتم بها التعامل مع لوائح الشباب والنساء، إذ تؤكد مصادر سياسية أن هذه اللوائح، التي يفترض أن تكون آلية لتجديد النخب وتعزيز المشاركة السياسية، أصبحت بدورها مجالا للتجاذبات والصراعات بين القيادات، بسبب إدراك الجميع أن ترتيب الأسماء داخلها قد يحسم بشكل كبير فرص الوصول إلى البرلمان أو المجالس المنتخبة، وهو ما يجعلها موضوع تنافس لا يقل حدة عن الدوائر الانتخابية التقليدية.
وفي المقابل، يجد عدد من المناضلين الذين راكموا سنوات من العمل الحزبي أنفسهم خارج دائرة القرار، بعدما تفسح الأحزاب المجال أمام وافدين جدد أو شخصيات ذات نفوذ انتخابي، في رسالة يعتبرها مراقبون محبطة للأطر الشابة التي كانت تراهن على التدرج التنظيمي والعمل الميداني من أجل الوصول إلى مواقع المسؤولية. ويؤكد هؤلاء أن استمرار هذا المنطق يهدد قدرة الأحزاب على تجديد نخبها، كما يغذي قناعة لدى فئات واسعة من الشباب بأن فرص الصعود السياسي لا تحكمها الكفاءة أو الالتزام، وإنما ترتبط بموازين النفوذ والقدرة على جلب الأصوات.
وجوه غير حاضرة في المشهد السياسي
كما يسجل متابعون أن المشهد الحزبي يشهد مع كل استحقاق انتخابي ظهور وجوه لا تحضر في الحياة السياسية إلا خلال المواسم الانتخابية، حيث تنتقل بين الأحزاب بحثا عن التزكية المناسبة، مستفيدة من حاجة بعض التنظيمات إلى ملء لوائحها أو تعزيز حضورها في دوائر معينة. ويؤدي هذا الواقع إلى إضعاف الهوية السياسية للأحزاب وتحويلها في بعض الأحيان إلى فضاءات لاستيعاب المرشحين أكثر من كونها مؤسسات للتأطير السياسي وإنتاج النخب.
وتزداد حدة هذا الوضع في ظل التعدد الحزبي الكبير، إذ يرى مراقبون أن وجود عشرات الأحزاب التي لا تمتلك حضورا فعليا في المؤسسات المنتخبة جعل بعضها يقتصر دوره على منح التزكيات أو استقطاب مرشحين لم يجدوا مكانا داخل الأحزاب الكبرى، وهو ما يطرح أسئلة متزايدة حول جدوى هذا التشتت الحزبي ومدى مساهمته في تطوير الممارسة الديمقراطية.
ورغم اختلاف السياقات داخل الأحزاب، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في اشتداد الصراع حول الترشيحات مع اقتراب موعد الانتخابات. فقد شهدت تنظيمات من بينها الحركة الشعبية والأصالة والمعاصرة والاستقلال والتقدم والاشتراكية والتجمع الوطني للأحرار خلافات مرتبطة بمنح التزكيات، سواء بسبب رغبة منتخبين في الحفاظ على مواقعهم أو نتيجة مطالبة القواعد بترشيح أسماء أخرى، بينما دفعت المنافسة على صدارة الانتخابات عددا من الأمناء العامين والقيادات المركزية إلى التدخل المباشر في اختيار المرشحين واستقطاب الأعيان ورجال الأعمال لتعزيز الحظوظ الانتخابية لأحزابهم.
ويجمع مراقبون للمشهد السياسي على أن معركة التزكيات أصبحت اليوم مؤشرا حقيقيا على طبيعة الممارسة الحزبية في المغرب، لأنها تكشف مدى قدرة الأحزاب على احترام قواعد الديمقراطية الداخلية أو خضوعها لمنطق التوازنات الانتخابية. كما أن استمرار هيمنة الحسابات الضيقة على حساب البرامج والكفاءات يهدد بتوسيع فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، ويجعل الرهان الانتخابي محكوما بمن يملك النفوذ والقدرة على الحشد أكثر من ارتباطه بمن يحمل مشروعا سياسيا قادرا على إقناع الناخبين. وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن الاختبار الحقيقي للأحزاب لن يكون فقط في عدد المقاعد التي ستحصل عليها، بل في قدرتها على إقناع الرأي العام بأن التزكية ما تزال تعبيرا عن اختيار سياسي وديمقراطي، وليست مجرد “وزيعة انتخابية” تحكمها موازين القوة والنفوذ.