قبل كل استحقاق انتخابي تعود إلى الواجهة ظاهرة تكشف أحد أعطاب الحياة السياسية المغربية، وهي انتقال بعض الأعيان والكائنات الانتخابية بين الأحزاب دون أن يشكل الانتماء الفكري أو المشروع السياسي معيارا حاسما في الاختيار.
فالمفروض في الأنظمة الحزبية السليمة أن تتنافس الكفاءات والبروفايلات السياسية على نيل ثقة الأحزاب، وأن يكون الانضمام إليها تتويجا لمسار من الاقتناع بمرجعيتها وبرنامجها، غير أن ما يقع اليوم يسير في الاتجاه المعاكس، حيث أصبحت أحزاب كثيرة تتهافت على استقطاب أسماء يعتقد أنها قادرة على جلب الأصوات، حتى وإن كان ذلك على حساب الهوية السياسية والتنظيمية.
ويقدم المسار الأخير لعبد الحق الشفيق صورة معبرة عن هذا التحول. ففي ظرف زمني قصير، ارتبط اسمه بثلاثة أحزاب مختلفة، إذ أوكل إليه حزب الحركة الشعبية تدبير الملف الانتخابي بجهة الدار البيضاء، قبل أن يصبح محل اهتمام حزب الاستقلال، ثم ينتهي به المطاف مرشحا باسم حزب الأصالة والمعاصرة بدائرة عين الشق، هذا التنقل السريع لا يطرح فقط سؤال الوجهة النهائية للشفيق، بل يثير أيضا سؤالا أكبر يتعلق بطبيعة الأحزاب نفسها ومدى قدرتها على حماية شخصيتها السياسية.
القضية هنا لا تتعلق بحرية أي سياسي في تغيير انتمائه، فهذا حق يكفله العمل السياسي، دون كفالة من العرف السياسي، وإنما بالإشارات التي يبعثها هذا النوع من التنقلات إلى الرأي العام، فعندما يصبح الشخص نفسه مطلوبا من أحزاب تختلف في مرجعياتها وخطاباتها، فإن ذلك يكرس الانطباع بأن البرامج السياسية لم تعد هي المحدد الأساسي، وأن المعيار الحقيقي أصبح هو القدرة على الفوز بالمقاعد، بغض النظر عن الخلفية الفكرية أو الانسجام مع المشروع الحزبي.
وهذا التحول يعكس أزمة أعمق تعيشها الأحزاب المغربية، فبدل أن تكون المؤسسة الحزبية هي صاحبة القرار، أصبحت في كثير من الأحيان تفاوض شخصيات انتخابية تمتلك خزانا من الأصوات أو نفوذا محليا، فيتحول الحزب من فاعل مؤطر للحياة السياسية إلى مجرد وسيلة انتخابية. ومع مرور الوقت، يتراجع وزن المناضلين الذين راكموا سنوات من العمل التنظيمي، مقابل صعود أشخاص يدخلون الحزب قبيل الانتخابات ويحصلون على مواقع متقدمة في الترشيحات.
وما يزيد من تعقيد الصورة أن التنافس لم يعد يدور فقط حول الظفر بمقعد برلماني، بل أصبح يمتد إلى محاولة فرض شروط مرتبطة بتوزيع المواقع داخل اللوائح، بما فيها اللوائح الجهوية، وهو ما يجعل العلاقة بين بعض الأعيان والأحزاب أقرب إلى عملية تفاوض حول الامتيازات منها إلى التقاء حول مشروع سياسي. وعندما يصبح الهدف هو ضمان أفضل تموقع انتخابي أو فرض أسماء بعينها داخل اللوائح، فإن الحديث عن الإيديولوجيا أو المرجعية الحزبية يفقد كثيرا من معناه.
في هذا السياق، تكتسي الرسائل الصادرة عن حزب الاستقلال دلالة سياسية واضحة. فبحسب مصادر قريبة من الملف لـ”بلبريس”، فإن الزيارة التي قام بها الأمين العام للحزب، نزار بركة، إلى منزل والدي عبد الحق الشفيق لم تكن مجرد مجاملة، بل كانت تعبيرا عن رغبة الحزب في التعامل بمنطق الوضوح. غير أن المصادر نفسها شددت في المقابل على أن هذه الخطوة لا تعني أن الحزب يوجد في موقع الباحث عن أي مرشح، مؤكدة أن الزيارة ليست شيكا على بياض، وأن الحزب لا يقبل أن يتحول اسمه إلى ورقة تستعمل في مفاوضات موازية مع أحزاب منافسة.
هذه الرسائل تكشف بدورها حجم الإحراج الذي أصبحت تعيشه الأحزاب. فمن جهة تسعى إلى استقطاب شخصيات تملك حضورا انتخابيا، ومن جهة أخرى تحاول الحفاظ على هيبتها وعدم الظهور في صورة الطرف الذي يقدم التنازلات لإقناع الأعيان بالانضمام إليه. وبين هذين الاعتبارين، تضيع الحدود الفاصلة بين من يقود العملية السياسية ومن يخضع لمنطق الحسابات الانتخابية.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد تنقل عادي بين الأحزاب، بل يعكس خللا بنيويا في المشهد السياسي المغربي. فحين تصبح الأحزاب رهينة لحسابات الأعيان والكائنات الانتخابية، وتتراجع قيمة المشروع السياسي أمام منطق المقاعد، فإن ذلك يضعف ثقة المواطنين في العمل الحزبي ويعزز الاعتقاد بأن الاختلافات بين التنظيمات السياسية أصبحت شكلية أكثر منها جوهرية.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تفرغ التنافس الديمقراطي من مضمونه. فالانتخابات لا يفترض أن تكون سباقا بين أشخاص يبحثون عن أفضل عرض سياسي، وإنما منافسة بين مشاريع وبرامج ورؤى مختلفة لإدارة الشأن العام. وكلما استمر منطق الترحال السياسي القائم على المصلحة الانتخابية، ازدادت المسافة اتساعا بين الأحزاب ووظيفتها الدستورية في التأطير والتأهيل، وبين واقع انتخابي تحكمه الحسابات الفردية أكثر مما تحكمه القناعات السياسية.