في وقت تتزايد فيه المؤشرات على دخول المشهد السياسي مرحلة ما قبل الانتخابات، اختارت الحكومة إعادة تقديم دفاعها عن تدبير أحد أكثر الملفات الاجتماعية حساسية، وهو ملف أسعار اللحوم الحمراء، في خطوة يراها متابعون محاولة لاستعادة ثقة الرأي العام عبر رسائل تطمينية تستحضر القدرة الشرائية للمواطنين، في ظل استمرار الجدل حول غلاء المعيشة.
وخلال الجلسة الشهرية المخصصة للسياسة العامة بمجلس المستشارين، سعى رئيس الحكومة عزيز أخنوش إلى تقديم حصيلة حكومته في القطاع الفلاحي باعتبارها نتاجا لقرارات مبنية على معطيات واقعية، بعيدا عن ما وصفه بالمزايدات السياسية، مؤكدا أن السلطة التنفيذية مستعدة لإعادة العمل بقرار تعليق الرسوم الجمركية على واردات اللحوم إذا استمرت الأسعار في مستوياتها المرتفعة، بما يضمن التخفيف من الأعباء التي يتحملها المستهلك المغربي.
وجاء هذا الموقف في سياق دفاع أخنوش عن السياسة الحكومية، معتبرا أن تدبير هذا الملف يقوم على معادلة تجمع بين حماية القطيع الوطني، ودعم الفلاحين والكسابة، وضمان تموين الأسواق، والمحافظة على القدرة الشرائية، مؤكدا أن هذا التوازن سيظل موجها لاختيارات الحكومة مهما تصاعدت الانتقادات أو الحسابات السياسية.
ورغم أن الحكومة تعلن استعدادها لاتخاذ إجراءات إضافية لخفض الأسعار، فإن توقيت هذا الخطاب يثير تساؤلات حول مدى ارتباطه بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، خاصة أن ملف غلاء اللحوم ظل خلال الأشهر الماضية من أبرز الملفات التي استغلتها المعارضة في انتقاد الأداء الحكومي، قبل أن تتحول وعود التدخل مجددا إلى عنوان رئيسي في الخطاب الرسمي.
وأرجع رئيس الحكومة استمرار ارتفاع أسعار اللحوم إلى عوامل تتجاوز التدبير الداخلي، مشيرا إلى أن المغرب تأثر بسبع سنوات متتالية من الجفاف انعكست بشكل مباشر على حجم القطيع الوطني، نتيجة تراجع الموارد المائية وندرة المراعي وارتفاع أسعار الأعلاف وتكاليف الإنتاج، وهي ظروف جعلت المربين يواجهون صعوبات كبيرة في الحفاظ على نشاطهم.
وأوضح أن إعادة تكوين القطيع الوطني ليست عملية يمكن إنجازها في فترة قصيرة، بل تحتاج إلى أشهر من التربية والتسمين، وهو ما يجعل آثار الجفاف مستمرة رغم التحسن الذي يعرفه الموسم الفلاحي الحالي وارتفاع نسبة ملء السدود، معتبرا أن هذا الواقع يفسر استمرار الضغوط التي يعرفها سوق اللحوم.
ولم يقتصر تفسير الحكومة على العوامل المحلية، إذ أكد أخنوش أن السوق المغربية تأثرت أيضا بالتحولات الدولية، مشيرا إلى أن أسعار اللحوم في الأسواق العالمية ارتفعت بحوالي 190 في المائة خلال السنوات الست الأخيرة، بمعدل زيادة سنوية يقارب 32 في المائة، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والأعلاف والنقل، وهو ما انعكس على عدد من الأسواق الدولية، من بينها السوق المغربية.
وفي المقابل، شدد رئيس الحكومة على أن السلطة التنفيذية تمكنت من الحفاظ على وفرة المواد الغذائية وضمان تزويد الأسواق بشكل منتظم، رغم استمرار الضغوط على أسعار بعض المنتجات، وعلى رأسها اللحوم الحمراء، معلنا أن الحكومة تواصل العمل على رفع حجم العرض وتحسين مسالك التسويق، إلى جانب محاربة المضاربة والوسطاء غير المشروعين.
كما كشف عن مشروع لإحداث 12 سوقا جهويا للمواشي بهدف تنظيم عمليات التسويق والحد من الاختلالات التي تعرفها سلسلة توزيع اللحوم، معتبرا أن هذا الورش من شأنه تعزيز شفافية السوق وتقليص هوامش المضاربة التي تؤثر على الأسعار.
وفي ختام رسائله، حرص أخنوش على إبقاء جميع الخيارات مفتوحة، مؤكدا أن الحكومة لن تتردد في إعادة تعليق الرسوم الجمركية على واردات اللحوم إذا اقتضت تطورات السوق ذلك، في خطوة قال إنها تستهدف تحقيق التوازن بين حماية القطيع الوطني ومصالح الفلاحين، وضمان أسعار أكثر ملاءمة للمستهلك، وهي رسائل تحمل في طياتها بعدا سياسيا واضحا، مع اقتراب موعد الانتخابات واحتدام التنافس حول الملفات المرتبطة مباشرة بالقدرة الشرائية للمغاربة.