دراسة: الشباب لم يهجروا السياسية وإنما هجروا الأحزاب السياسية

قدر تقرير حديث أن أزمة مشاركة الشباب في الحياة السياسية بالمغرب لا ترتبط بتراجع اهتمامهم بالشأن العام، بقدر ما تعكس تحولا عميقا في أنماط الانخراط السياسي، بعدما انتقلت فئة واسعة منهم إلى فضاءات جديدة للتعبير والمشاركة خارج القنوات الحزبية التقليدية، وهو ما يفرض، بحسب معدي التقرير، مراجعة شاملة لآليات اشتغال الأحزاب إذا أرادت استعادة ثقة الجيل الرقمي.

وأوضح تقرير بعنوان “المشهد الحزبي والسياسي في المغرب في أفق 2035″، أعده المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، أن القراءة التقليدية التي تربط ضعف مشاركة الشباب في الانتخابات باللامبالاة السياسية لم تعد قادرة على تفسير الواقع، إذ تكشف المؤشرات أن الشباب ما زالوا حاضرين بقوة في النقاش العمومي، لكن من خلال المنصات الرقمية والمبادرات المدنية والحملات الإلكترونية، بعيدا عن التنظيمات الحزبية الكلاسيكية.

وسجل التقرير أن قضايا التعليم والتشغيل والبيئة والعدالة الاجتماعية أصبحت تتصدر اهتمامات الشباب داخل الفضاء الرقمي، حيث تشهد هذه الملفات نقاشا واسعا ومبادرات متواصلة لمتابعة السياسات العمومية والتأثير فيها. ويرى معدو التقرير أن هذا الحضور يؤكد أن المشكلة لا تكمن في غياب الوعي السياسي، وإنما في فقدان الثقة في فعالية الأطر الحزبية الحالية وقدرتها على الاستجابة لتطلعات الأجيال الجديدة.

وأرجع التقرير هذا التحول إلى عجز الأحزاب عن مواكبة التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية التي عرفها المجتمع المغربي، إذ استمرت، بحسبه، في الاعتماد على أساليب تنظيمية وخطابات سياسية تقليدية لم تعد تستجيب لتوقعات شباب نشأ في بيئة رقمية تقوم على التفاعل السريع والشفافية وإمكانية الوصول المباشر إلى المعلومة والمشاركة في النقاشات العامة.

كما اعتبر أن الشباب لم يبتعدوا عن السياسة في جوهرها، وإنما غيروا أدوات ممارستها، معتمدين على النقاشات المفتوحة والعمل المدني والمنصات الرقمية للتعبير عن مواقفهم والدفاع عن مطالبهم، وهو ما يجعل تفسير تراجع الانخراط الحزبي باعتباره عزوفا سياسيا مجرد قراءة قاصرة لا تعكس التحولات الجارية داخل المجتمع.

وأكد التقرير أن الكتلة الشبابية تمثل اليوم أكبر رصيد سياسي يمكن أن تستثمره البلاد، غير أن جزءا كبيرا منها ما يزال خارج المؤسسات الحزبية بسبب ضعف الديمقراطية الداخلية، ومحدودية فرص وصول الوجوه الجديدة إلى مواقع المسؤولية، إضافة إلى استمرار هيمنة القيادات التقليدية على مراكز القرار، وهو ما يقلص جاذبية العمل الحزبي بالنسبة للأجيال الصاعدة.

وفي السياق ذاته، ربط التقرير بين انخفاض المشاركة الانتخابية لدى الشباب واتساع فجوة الثقة بينهم وبين المؤسسات السياسية، معتبرا أن تجاوز هذا الوضع لا يمكن أن يتحقق عبر حملات تدعو إلى المشاركة فقط، بل يحتاج إلى إصلاحات مؤسساتية وتنظيمية تمنح الشباب إحساسا حقيقيا بأن أصواتهم قادرة على التأثير في صناعة القرار العمومي.

ودعا التقرير الأحزاب إلى مراجعة طرق اشتغالها عبر تعزيز الديمقراطية الداخلية، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة لتولي مواقع المسؤولية، وتبني أدوات رقمية للتواصل المستمر مع المواطنين، إلى جانب تطوير آليات الديمقراطية التشاركية على المستوى المحلي بما ينسجم مع أنماط المشاركة التي يفضلها الشباب في المرحلة الراهنة.

واعتبر معدو التقرير أن التجربة المغربية في الرفع من تمثيلية النساء داخل البرلمان بفضل آليات مؤسساتية تثبت أن تجديد النخب الشبابية بدوره يظل أمرا ممكنا، شريطة الانتقال من الخطابات والشعارات إلى إصلاحات عملية تضمن حضورا فعليا للشباب داخل دوائر اتخاذ القرار، وليس الاكتفاء بإشراكهم في الحملات الانتخابية أو القواعد الحزبية.

ويخلص التقرير إلى أن مستقبل العلاقة بين الشباب والمؤسسات السياسية يظل رهينا بقدرة الأحزاب على تجديد نفسها وتحديث بنياتها وآلياتها، لأن استعادة ثقة الجيل الجديد، وفق خلاصاته، لن تتم بإقناعه بالعودة إلى الأحزاب بصيغتها الحالية، وإنما بتحويل هذه الأحزاب إلى فضاءات أكثر انفتاحا وتمثيلية وقدرة على التفاعل مع التحولات التي فرضها العصر الرقمي.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *