تتجه الرباط وباريس نحو فتح صفحة جديدة في علاقاتهما الثنائية من خلال معاهدة استراتيجية واسعة النطاق، يُرتقب أن تُوقَّع قبل نهاية السنة الجارية، وتحمل في طياتها رهانات اقتصادية وعسكرية وثقافية وسياسية من شأنها إعادة تشكيل طبيعة الشراكة بين البلدين، وفق ما أوردته جريدة “الصحيفة” نقلا عن مصادر وصفتها بالمطلعة على تفاصيل المشروع.
وفي الجانب الاقتصادي، تتحدث المعطيات المتداولة عن توجه فرنسي لتعزيز استثماراته بالمغرب عبر مشاريع صناعية كبرى تشمل قطاعات السيارات والسكك الحديدية والنقل البحري والتكنولوجيا الحيوية، فضلا عن نقل خبرات وتقنيات متقدمة من شأنها رفع القدرة التنافسية للصناعة المغربية وتعزيز حضورها في الأسواق الدولية. وفي المقابل، يُرتقب أن تستفيد الشركات الفرنسية من أفضلية في الولوج إلى عدد من المشاريع الاستراتيجية المرتبطة بالبنيات التحتية والطاقة المتجددة والنقل، في إطار شراكة تسعى باريس من خلالها إلى الحفاظ على موقعها داخل سوق مغربية تشهد تنافسا متزايدا من قوى اقتصادية دولية أخرى.
وتبرز الصناعات الدفاعية كواحدة من أكثر النقاط إثارة للاهتمام في هذه المعاهدة، إذ تشير المعطيات ذاتها إلى وجود توجه نحو تطوير تعاون عسكري أعمق يقوم على نقل تدريجي للتكنولوجيا الدفاعية وتعزيز التصنيع الحربي المحلي. ويهدف هذا التوجه إلى دعم الطموح المغربي الرامي إلى بناء قاعدة صناعية عسكرية متقدمة، تشمل مجالات الطيران والآليات العسكرية والذخيرة، إلى جانب توسيع برامج التدريب والتنسيق الأمني والاستخباراتي بين البلدين.
أما على المستوى الثقافي والتعليمي، فتسعى باريس، بحسب المصدر ذاته، إلى ترسيخ حضور اللغة الفرنسية داخل الفضاءات التعليمية والاقتصادية والإدارية بالمغرب، باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية للحفاظ على نفوذها الثقافي التقليدي. وفي هذا السياق، تقترح فرنسا توسيع فرص ولوج الطلبة المغاربة إلى مؤسساتها الجامعية والمعاهد العليا، مع تعزيز شبكة مؤسساتها التعليمية والثقافية بالمملكة، بما يضمن استمرار الروابط الأكاديمية واللغوية بين البلدين.
وفي المقابل، يبدو أن المغرب يتبنى مقاربة تقوم على تحقيق التوازن بين المحافظة على الشراكة اللغوية والثقافية مع فرنسا والانفتاح المتزايد على اللغة الإنجليزية وباقي اللغات العالمية، بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها الاقتصاد العالمي ومتطلبات التنافسية الدولية.
سياسيا، تتضمن المعاهدة المرتقبة، وفق ما أوردته جريدة “الصحيفة”، التزامات فرنسية بدعم المواقف المغربية داخل المؤسسات الدولية، خاصة في القضايا الاستراتيجية للمملكة، إلى جانب تعزيز التنسيق داخل الفضاء الأوروبي بشأن الملفات الاقتصادية والتجارية ذات الاهتمام المشترك. كما تتحدث المصادر عن انفتاح فرنسي على عدد من الملفات التاريخية المرتبطة بالأرشيف الاستعماري، في خطوة تعكس رغبة الطرفين في معالجة بعض القضايا العالقة ضمن رؤية جديدة للعلاقات الثنائية.
وفي امتداد آخر لهذه الشراكة، تراهن باريس على الاستفادة من الحضور الاقتصادي المغربي المتنامي في دول غرب إفريقيا، عبر تطوير مشاريع واستثمارات مشتركة داخل المنطقة، مستفيدة من المكانة التي باتت تحتلها المؤسسات المغربية في عدد من الأسواق الإفريقية. ويعكس هذا التوجه تحولا في طبيعة العلاقة بين البلدين، من تعاون تقليدي قائم على المصالح الثنائية إلى شراكة أوسع تستهدف التموقع داخل فضاءات اقتصادية وجيوسياسية جديدة.
وتشير المؤشرات العامة إلى أن المعاهدة المرتقبة لا تقتصر على تحديث أطر التعاون التقليدية، بل تسعى إلى بناء نموذج جديد للعلاقة المغربية الفرنسية يقوم على تبادل المصالح الاستراتيجية وإعادة توزيع أدوار النفوذ بين الضفتين، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم.