هروب الشباب يفضح أكذوبة “القوة الضاربة” الجزائرية

بينما كانت الأبواق الإعلامية التابعة للنظام الجزائري تقضي أسبوعا كاملا في توزيع الاتهامات على المغرب ونسج روايات مثيرة عن «ابتزاز أوروبا بورقة الهجرة»، كانت قوارب الشباب الجزائري تواصل رحلاتها الليلية نحو السواحل الإسبانية، في مشهد يختصر التناقض الفاضح بين الخطاب الرسمي والواقع المرير داخل الجزائر.

فالسلطة التي لا تتوقف عن تسويق صورة «الجزائر القوية المستقرة» تجد نفسها اليوم أمام فضيحة سياسية واجتماعية مدوية: عشرات الآلاف من الجزائريين يهربون من بلد الغاز والنفط، غير مقتنعين بكل الشعارات التي يرددها إعلام العسكر عن «النهضة» و«الازدهار» و«الجزائر الجديدة».

والمثير للسخرية أن النظام الجزائري، بدل مواجهة الكارثة الحقيقية المتمثلة في نزيف شبابه نحو أوروبا، اختار الهروب إلى الأمام عبر مهاجمة المغرب واتهامه بتوظيف ملف الهجرة. غير أن الأرقام الصادرة عن المؤسسات الأوروبية تكشف حقيقة مختلفة تماما: الجزائر أصبحت واحدة من أكبر خزانات الهجرة غير النظامية نحو القارة العجوز، متقدمة حتى على دول تعيش الحروب والانهيارات الأمنية.

أي مفارقة أكثر عبثية من هذه؟ دولة تملك ثروات هائلة من الغاز والبترول، وتنفق الملايير على شراء الأسلحة وتمويل الدعاية السياسية، لكنها تعجز عن إقناع شبابها بالبقاء داخل الوطن. شباب يفضل ركوب قوارب الموت على العيش تحت سلطة أغلقت أمامه أبواب الأمل، وحولت الحياة اليومية إلى سلسلة من الأزمات والاختناقات الاجتماعية.

الأدهى أن إعلام النظام يحاول تصوير الأمر وكأن الجزائر ضحية «مؤامرة خارجية»، بينما الحقيقة أبسط وأقسى: المواطن الجزائري يهرب من واقع يائس صنعته سنوات طويلة من القمع السياسي، والفساد، وهيمنة المؤسسة العسكرية على مفاصل الدولة، وتحويل البلاد إلى سجن كبير يبتلع أحلام الأجيال الجديدة.

وفي كل مرة ترتفع فيها أرقام «الحراقة»، يخرج الإعلام الرسمي ليبحث عن عدو خارجي جديد يعلّق عليه الفشل الداخلي. مرة فرنسا، ومرة المغرب، ومرة «الأيادي الأجنبية». أما السؤال الحقيقي الذي يرفض النظام طرحه فهو: لماذا أصبح آلاف الجزائريين مستعدين للمخاطرة بحياتهم في البحر من أجل الهروب من «القوة الضاربة»؟

الواقع أن أوروبا نفسها بدأت تدرك أن مصدر القلق المتزايد في غرب المتوسط لم يعد مقتصرا على المسارات التقليدية، بل إن السواحل الجزائرية تحولت إلى نقطة نزيف بشري مستمرة. ومع ذلك، يواصل النظام سياسة الإنكار، وكأن البلاغات الدعائية قادرة على إخفاء مشاهد القوارب التي تغادر يوميا من وهران وعنابة ومستغانم.

المفارقة الأكثر إيلاما أن السلطة التي تتهم الآخرين بـ«استغلال المهاجرين» تبدو عاجزة حتى عن حماية كرامة مواطنيها أو توفير الحد الأدنى من الثقة في المستقبل. فحين يفقد الشباب الأمل داخل وطن غني بالثروات، تصبح الهجرة ليست مجرد خيار اقتصادي، بل تصويتا جماعيا ضد واقع سياسي مختنق.

لقد تحولت بروباغندا «القوة الضاربة» إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل، لأن المواطن البسيط لم يعد يقيس قوة الدول بالشعارات العسكرية والخطب الشعبوية، بل بقدرتها على توفير العيش الكريم، والحرية، وفرص المستقبل. وفي هذا الامتحان بالذات، يبدو أن النظام الجزائري يسقط عاما بعد آخر، فيما تستمر قوارب الهروب في فضح كل الأكاذيب الرسمية التي تحاول تغليف الفشل بورق الدعاية والسيادة الوهمية.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *