أكد محمد المهدي بنسعيد، وزير الثقافة والشباب والتواصل، أن الكتابة ظلت عبر مختلف المراحل التاريخية وسيلة أساسية للتعبير والتوثيق والتأثير في المجتمعات، مبرزا أن الكتابة الصحفية والكتابة الأدبية، رغم اعتمادهما اللغة نفسها، تختلفان في الأهداف والأساليب. وأوضح أن الصحافة تقوم أساسا على نقل الخبر والالتزام بالآنية والموضوعية، في حين يميل الأدب إلى التأمل والتخييل وبناء المعنى العميق.
وجاءت تصريحات الوزير خلال ندوة فكرية حول موضوع “تجربة الكتابة بين الصحافة والأدب في العصر الرقمي”، نظمتها الوزارة ضمن البرنامج الثقافي للدورة الحادية والثلاثين من المعرض الدولي للنشر والكتاب. وأشار بنسعيد إلى أن الحدود بين الصحافة والأدب لم تكن يوما ثابتة، بل شهدت عبر التاريخ تداخلا غنيا بين الأسلوبين، مؤكدا أن الصحافة المغربية ظلت مرتبطة بالحراك الثقافي والأدبي ولم تنفصل عنه.
وفي كلمة تلاها نيابة عنه الكاتب العام لقطاع التواصل عبد العزيز البوجذايني، أبرز الوزير أن العديد من المؤسسات الإعلامية لعبت دورا مهما في احتضان الأقلام الأدبية، حيث وفرت لها فضاءات للنشر والتجريب والتواصل مع القراء. كما أشار إلى أن تاريخ الصحافة المغربية يكشف عن حضور أسماء جمعت بين العمل الصحفي والإبداع الأدبي، من بينها علال الفاسي وعبد الله إبراهيم وعبد الكريم غلاب، الذين كتبوا في السياسة والأدب معا وجعلوا من اللغة أداة للتأثير في المجالين.
وخلال هذا اللقاء الثقافي والإعلامي، الذي أعلن من خلاله أيضا عن انطلاق أنشطة برنامج الرباط عاصمة الإعلام العربي 2026، أوضح بنسعيد أن العلاقة بين الصحافة والأدب استمرت مع جيل الستينيات والسبعينيات، الذي أفرز أسماء بارزة مثل محمد برادة وأحمد المديني ومحمد زفزاف، حيث جمع هؤلاء بين الكتابة الصحفية والنقدية والإبداع الروائي والقصصي، ما جعل الصحافة فضاء لتجريب اللغة والإبداع الأدبي.
وفي سياق حديثه عن التحولات الراهنة، أشار الوزير إلى أن الثورة الرقمية أحدثت تغييرات كبيرة في طبيعة النصوص، موضحا أن الوسائط الرقمية أفرزت أنماطا جديدة من الكتابة تتميز بالسرعة والتفاعل وتعدد الوسائط. كما طرح تساؤلات حول تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل الإبداع، متسائلا ما إذا كانت الكتابة ستظل فعلا إنسانيا خالصا أم ستتحول إلى شكل من الشراكة بين الإنسان والآلة.
واعتبر بنسعيد أن من أبرز التحديات التي تواجه الصحافة اليوم ضغط السرعة على حساب الدقة، وانتشار الأخبار الزائفة، إضافة إلى تراجع الثقة في مصادر المعلومات. أما في المجال الأدبي، فالتحدي يتمثل في الحفاظ على العمق والجمالية في زمن يتسم بالاستهلاك السريع للمحتوى.
ورغم هذه الإكراهات، شدد الوزير على أن التحول الرقمي يفتح أيضا آفاقا واسعة أمام الكتابة، إذ أتاح فرصا أكبر للنشر والتعبير، وأسهم في ظهور أشكال جديدة تجمع بين الصحافة والأدب. وأكد أن الرهان لا يكمن في مواجهة التكنولوجيا، بل في توظيفها لخدمة الكلمة المسؤولة والحفاظ على القيم الأساسية للكتابة، وفي مقدمتها الصدق والعمق والمسؤولية.
وختم بنسعيد بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي الذي يواجه الصحافة والأدب في العصر الرقمي ليس تقنيا بقدر ما هو إنساني وأخلاقي، مشددا على أن الكتابة، سواء كانت صحفية تبحث عن الدقة أو أدبية تسعى إلى الجمال، تبقى إحدى أهم الوسائل للدفاع عن القيم الإنسانية في عالم سريع التغير