تتجه أنظار الأوساط السياسية في تطوان ، هذا الأسبوع، نحو قاعة المحاكمة بالملحقة الابتدائية، حيث تنظر الهيئة القضائية في ملف يمسّ واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد الانتخابي المحلي، إذ يواجه ثمانية متهمين، بينهم مسؤولون ومنتخبون بالمجلس الجماعي للمدينة، تهما تتعلق باستغلال آليات ومعدات وشاحنات الجماعة، إضافة إلى تسخير عمالها وموظفيها، في حملة انتخابية سابقة، ارتبطت باستقبال عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، خلال تجمع خطابي حزبي بالمدينة، في فترة كان فيها محمد إدعمار على رأس الجماعة الحضرية.
وتعكس تفاصيل هذا الملف، الذي تتابع فيه شخصيات نافذة، حالة من الترقب والقلق بين المتهمين الذين يخشون، وفق مصادر ، إدانات تصل إلى عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد القضائي الذي يطارد عددا من الأعضاء والنواب في أغلبية مصطفى البكوري، الرئيس الحالي للمجلس الجماعي، كما يضع ممثلي الأحزاب الراغبة في خوض غمار الانتخابات البرلمانية والاقتراع المقرر في 23 شتنبر المقبل أمام اختبار حقيقي، وسط أجوية سياسية مشحونة بالاستقطابات والصراعات النفوذ.
وفي خطوة تعكس إرادة تسريع المسار القضائي، استدعيت جميع الأطراف المعنية لحضور جلسة هذا الأسبوع، التي ستشهد مرافعات الدفاع قبل أن تشرع المحكمة في المداولة والفصل في الشكاية التي تقدمت بها جمعية الكرامة للدفاع عن حقوق الإنسان، والتي نددت فيها بشكل صريح باستغلال إمكانات الجماعة العمومية لأغراض انتخابية، في واقعة اعتبرتها منافية لمبدأ تكافؤ الفرص التي تكفله القوانين الانتخابية، والتي تضع عقوبات رادعة لكل من تسول له نفسه المساس بنزاهة الاستحقاقات.
وتأتي هذه المحاكمة في ظل تحذيرات متكررة من وزارة الداخلية، التي شددت على ضرورة التصدي لكل أشكال الخروقات الانتخابية، وقطعت بوعود حازمة للجميع مع كل محاولات توظيف المال العام في سباق كسب الأصوات، غير أن الأوساط المحلية تتردد فيها أصوات تشير إلى صراعات محتدمة داخل أغلبية مجالس تطوان والمضيق، على خلفية استغلال عمال وموظفي الجماعات، ومصالح الكهرباء والصيانة، في تكريس هيمنة حزبية وتوسيع قواعد نفوذها، فيما تعتبر هذه الممارسات امتدادا لمنطق استغلال السلطة والمرافق العمومية لغير ما خصصت له.
وينظر مراقبون إلى هذه القضية كاختبار عملي لمدى جدية السلطات في تطبيق مبدأ تخليق الحياة العامة، الذي تحظى بتأكيدات متجددة في الخطابات الملكية، وسط تنبيهات متزايدة من مهتمين بالشأن المحلي إلى خطورة الخروقات التي تسبق الحملات الانتخابية الرسمية، مؤكدين أن أي استغلال لآليات الجماعات وموظفيها في أنشطة انتخابية أو تحضير لها، يعرض نتائج الانتخابات التشريعية للطعن، ويجعل الفائزين فيها مهددين بمتابعات قضائية ثقيلة، خصوصا في ظل تعليمات صارمة تهدف إلى ضمان نزاهة الاستحقاق الانتخابي وقطع الطريق أمام كل أشكال الانزلاق.
وتنص القوانين التنظيمية المؤطرة للحملات الانتخابية على منع قطعي وواضح لكل محاولات المرشحين ووكلاء اللوائح توظيف إمكانيات الجماعات التي يديرونها، إذ تحظر بشكل صريح الاستعانة بالآليات والسيارات التابعة للجماعات، أو تسخير المصالح والموظفين والعمال، لأغراض الدعاية الانتخابية، أو كسب التأييد بوسائل غير مباشرة، من قبيل الدعم الجمعوي الممول من المال العام، أو استخدام سلطة الرئيس للتأثير على الناخبين، سواء بطرق ظاهرة أو ملتوية، وهو ما يجعل هذه القضية نموذجا مكثفا لانتهاك قواعد اللعبة الانتخابية في واحدة من أكثر المدن المغربية تعقيدا من حيث التوازنات السياسية والنفوذ المحلي.