لم يعد التباهي بالسيارات الفارهة والسفرات الباذخة واليوميات المترفة على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد استعراض للحياة الخاصة، بل تحول في بعض الحالات إلى خيط يقود مباشرة إلى مكاتب مراقبي الضرائب. فصور العطلات في المنتجعات الفاخرة، ومقاطع الفيديو التي توثق حياة الرفاه، باتت تُقرأ اليوم بلغة الأرقام والشكوك داخل الإدارة الجبائية.
مصادر مطلعة كشفت أن المديرية العامة للضرائب عززت آلياتها الرقابية بإحداث خلية متخصصة في تتبع ما يُنشر على منصات التواصل الاجتماعي، مستعينة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد أي مؤشرات قد تكشف تناقضاً بين الدخل المصرح به ومستوى العيش المعروض أمام المتابعين.
وتستهدف هذه العملية بالدرجة الأولى الملزمين الخاضعين لنظام التصريح، خصوصاً أولئك الذين تتعدد مصادر دخلهم أو يزاولون أنشطة يصعب تتبع مداخيلها بدقة. فمواقع التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى دفتر يوميات مفتوح، توفر معطيات غنية عن أنماط العيش والإنفاق، ما يسمح بمقارنتها بالتصريحات الجبائية المقدمة للإدارة.
ويبدو أن أصحاب المهن الحرة والمؤثرين يقفون في قلب دائرة المراقبة، بالنظر إلى أن عدداً منهم يصرح بمداخيل متواضعة لا تعكس طبيعة الأنشطة التي يمارسها أو أسلوب الحياة الذي يعرضه باستمرار أمام متابعيه.
وكشفت التحريات الأولية عن حالات لافتة، من بينها شخص يمارس مهنة حرة صرح بدخل سنوي لا يتجاوز 110 آلاف درهم. غير أن تتبع مقاطع الفيديو التي ينشرها بشكل متكرر أظهر نمط حياة يفترض أن يكون مدعوماً بدخل سنوي قد يصل إلى 300 ألف درهم على الأقل، وهو ما أثار شبهات قوية حول احتمال إخفاء جزء من مداخيله الحقيقية.
ولم تتوقف المؤشرات عند حدود الصور والفيديوهات، إذ بينت التحقيقات أيضاً أن المعني بالأمر يتوفر على أصول عقارية وممتلكات منقولة، ما يعزز فرضية وجود فجوة واضحة بين ما يصرح به وما يملكه فعلياً.
هذه المعطيات دفعت الإدارة الجبائية إلى التحرك، حيث تقرر توجيه إشعارات إلى عدد من الملزمين الذين تبين وجود تضارب بين تصريحاتهم الضريبية ومستوى العيش الذي يكشفونه بأنفسهم عبر حساباتهم الرقمية. وتهدف هذه الإشعارات إلى مطالبتهم بتبرير الفوارق المسجلة قبل الانتقال إلى مراجعة الضرائب المستحقة.
وفي موازاة ذلك، تعتمد المديرية العامة للضرائب على شبكة من الاتفاقيات مع مؤسسات وإدارات عمومية أخرى، من بينها الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، ما يتيح لها الاطلاع على الأصول العقارية والممتلكات المسجلة باسم المشتبه في تهربهم الضريبي.
ويؤكد متتبعون أن زمن “الترف الرقمي بلا حساب” بدأ يضيق، فالمحتوى الذي ينشره البعض بحثاً عن الإعجاب والمتابعة قد يتحول، في لحظة ما، إلى دليل رقمي يُستند إليه لفتح ملفات التدقيق الجبائي.