بينما تتجه الأنظار إلى العاصمة الأمريكية واشنطن لكشف كواليس آخر جولات المفاوضات السرية حول ملف الصحراء المغربية، يبرز التحليل السياسي كأداة ضرورية لفهم ما وراء البيانات الرسمية والخطابات الدبلوماسية الرنانة، التي غالبا ما تقدم الصورة بشكل مبسط أو تميل إلى إبراز المكاسب الرمزية دون الغوص في التفاصيل الدقيقة، فجولة واشنطن ليومي 23 و 24 من فبراير الجاري لا تمثل لقاءات بروتوكولية فحسب، بل تمثل مرحلة حساسة يكشف فيها حجم التعقيدات القانونية، الدستورية، والإنسانية التي تحيط بملف الصحراء.
وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي الدكتور ميلود بلقاضي، أن الملف لم يعد محصورا في مناقشة “المبادئ الكبرى”، بل أصبح مواجهة حقيقية مع “متاهة التفاصيل الدقيقة” التي تحدد مدى إمكانية تطبيق الحلول على أرض الواقع.
وبحسب بلقاضي، المبادئ العامة محل توافق بين الأطراف، حيث تقر جميع الأطراف بأن الحل يجب أن يرتكز على السيادة المغربية ضمن إطار الحكم الذاتي، إلا أن التعقيدات تظهر عند الانتقال إلى التنفيذ العملي لهذه المبادئ، وهو ما يفسر سرية المفاوضات الحالية وخشية الأطراف من كشف أي تسريبات قد تؤثر على الموقف التفاوضي.
وأشار المحلل إلى أن من أبرز القضايا العالقة، الإصلاحات الدستورية الضرورية لتفعيل الحكم الذاتي، وآليات الاستفتاء الوطني الشامل الذي يجب أن يعكس إرادة جميع المواطنين، وليس استفتاء محدودا على المستوى الجهوي، كما تطرق إلى أهمية تنسيق الإجراءات مع البعثة الأممية في العيون، وضرورة معالجة الوضع القانوني والدبلوماسي لجبهة البوليساريو داخل الاتحاد الإفريقي.
ولفت بلقاضي الانتباه إلى المسألة الإنسانية الدقيقة المتعلقة بالمحتجزين في مخيمات تندوف، والذين تشير التقديرات الأخيرة إلى نحو 165 ألف شخص، مضيفا أن معرفة هويتهم وحصر أعدادهم بدقة يمثل عاملا استراتيجيا مهما في عملية التفاوض، لأنه مرتبط بمصداقية أي ترتيبات مستقبلية وباستقرار الحل النهائي.
وشدد المحلل السياسي على أن أي مفاوضات دولية تقوم على “مقايضة دبلوماسية”، هو ما يجعل من الضروري متابعة كل تفصيل بدقة وتحليل المخاطر المحتملة قبل أي خطوة تنفيذية، وكل عنصر من عناصر التفاصيل من الإصلاحات الدستورية إلى الترتيبات الدولية والحسابات الإنسانية، قد يغير من معادلة الحل ويؤثر على نجاح أي اتفاق مستقبلي.
وبالتالي فإن جولة واشنطن تظهر أن النزاع حول الصحراء المغربية لم يعد يتعلق بالمبادئ الكبرى فقط، بل بالقدرة على إدارة التفاصيل الدقيقة، مثل ترجمة الحكم الذاتي إلى واقع ملموس، تفادي العقبات والمناورات، وضمان حل مستدام يحفظ الحقوق والمصالح.
ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن التوصل إلى اتفاق شامل يرضي جميع الأطراف دون الإضرار بالمصالح الاستراتيجية للمغرب على المدى الطويل؟ في سياق ارتباط النجاح بدقة المواقف وإتقان إدارة كل تفصيل.