تتداول منابر إعلامية إسرائيلية، من بينها جيروزاليم بوست، معطيات تفيد بترشيح المغرب وأندونيسيا ليشكلا أكبر قوتين ضمن “القوة الدولية لتحقيق الاستقرار” المرتقب نشرها في قطاع غزة، في إطار ترتيبات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس.
ووفق ما أوردته الصحيفة نقلا عن مصادر إعلامية إسرائيلية أخرى، من بينها قناة “كان نيوز”، فإن هذه القوة ستتولى مهام مرتبطة بحفظ السلام والإشراف على خطوط التهدئة وبعض القضايا الحدودية، دون انخراط مباشر في عمليات قتالية أو مساع لنزع سلاح الحركة.
وبحسب المصدر ذاته، فإن أندونيسيا ستكون أول دولة تنضم إلى المهمة، على أن تبدأ مساهمتها ابتداء من أبريل المقبل بحوالي ألف جندي، مع توقع وصول العدد الإجمالي للقوة إلى نحو ثمانية آلاف عنصر في يونيو، في وقت لا تتوفر فيه معطيات دقيقة بشأن مواعيد انتشار قوات دول أخرى جرى ذكرها، من بينها المغرب وألبانيا واليونان، بينما لم تنتقل أي دولة حتى الآن من مرحلة الوعود العامة إلى الجاهزية الملموسة لإرسال قوات.
وفي تعليقه على هذه المعطيات، أوضح المحلل السياسي خالد الشيات، في تصريح لـ “بلبريس”، أن وجود المغرب في مثل هذا المجلس يظل وجودا مؤسساتيا، تحكمه قوانين واضحة ونظام يحدد مسؤوليات كل طرف بدقة.
واعتبر أن الحديث عن تحديد واجبات مالية أو تكاليف مرتبطة بدولة بعينها خارج هذا الإطار المؤسساتي “يظل ضربا من الخيال”، لأن أي التزامات تكون مضبوطة بقواعد قانونية وتنظيمية متفق عليها بين جميع الأطراف.
وأكد الشيات أن المغرب، من حيث المبدأ، لن يتردد في المساهمة بكل ما يملك وما يستطيع من أجل تحقيق سلام عادل ودائم في منطقة الشرق الأوسط، وعلى الأقل في ما يرتبط بالقضية الفلسطينية، غير أن هذه المساهمة، إن حصلت، ستكون في إطار مسؤوليات مشتركة بين جميع الأطراف المعنية، وليس بشكل منفرد أو خارج الضوابط المؤطرة لعمل هذا المجلس.
وأضاف أن فكرة إعادة إعمار غزة تقوم أساسا على وجود نوع من الاستثمارات ورؤية اقتصادية ومالية واضحة، مشيرا إلى أنه إذا كان للمغرب دور في هذا المسار، فقد يكون أيضا عبر مساهمات على مستوى القطاع الخاص في عملية إعادة الإعمار، لأن اختزال الأدوار في مقاربات متشنجة لا يعكس طبيعة المسؤوليات التي تناط بكل طرف داخل مجلس السلام.
وشدد المتحدث ذاته على أن هناك ضوابط مؤسساتية وتنظيمية تحكم توزيع المسؤوليات، حيث يتم تحديد أدوار كل جهة على حدة وفق جداول ومعايير مضبوطة، وبحسب ما يمكن أن يناط بكل دولة من مهام، وما تراه هي مناسبا لنفسها من أدوار.
وأبرز أن أي دور قد يقوم به المغرب سيكون في إطار سيادته التامة على قراراته، ويعود إلى مستوى اتخاذ القرار داخل الدولة المغربية، وفق رؤيتها الاستراتيجية ومصالحها الحالية والمستقبلية، مع تقطير هذه الرؤية بما يضبط المصلحة الوطنية مع عدالة الحل في القضية الفلسطينية، لاسيما وأن الملك محمد السادس يرأس لجنة القدس، وأن المغرب حافظ دائما على مبادئ وثوابت القضية الفلسطينية العادلة، وفي مقدمتها حل الدولتين.
من جهته، اعتبر الخبير في العلاقات الدولية عصام العروسي، في تصريح لـ “بلبريس”، أن ما روجته منابر إسرائيلية بشأن ترشيح المغرب للمساهمة في قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة قد يكون خبرا صحيحا، موضحا أن المغرب أصبح عضوا في مجلس للسلم إلى جانب مجموعة من الدول التي ارتضت الولايات المتحدة الأمريكية أنها تدافع عن تحقيق السلم والأمن الدوليين.
وأشار العروسي إلى أن هذه الثقة قد تجعل من المغرب مساهما في القوات المشاركة لتحقيق الاستقرار في غزة، إلى جانب دول أخرى مثل اليونان وألبانيا، مبرزا أن مشاركة القوات المغربية، بالنظر إلى علاقة المغرب مع الطرفين، إسرائيل من جهة، ودوره في القضية الفلسطينية من جهة أخرى، ورئاسة لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، يمكن أن تجعل من هذه القوات عاملا للاستقرار، باعتبارها قوة عربية تنتمي إلى نفس المناخ ونفس التربة، وقادرة على لعب دور أساسي في الدفاع عن المكتسبات الفلسطينية من داخل هذه القوة.
وأوضح أن الطرح لم يعد نظريا فقط، بل أصبح عمليا ومطروحا على المستوى العالمي، معتبرا أن سياسة “الكأس الفارغ” لم تعد صالحة في هذا السياق، وأنه بالإمكان تحقيق أهداف مرتبطة بالحق الفلسطيني في غزة والضفة الغربية في هذا التوقيت بالذات، خاصة في ظل مخططات تحاول، بحسب تعبيره، تجريد الفلسطينيين من أراضيهم.
وأضاف المتحدث أن قوة دولية من هذا الحجم، على غرار تجربة القبعات الزرق التابعة للأمم المتحدة، يمكن أن تحفظ السلام في المنطقة أو تحاول بناءه، شريطة أن تستند إلى معطيات تاريخية وقانونية واضحة لا يرقى إليها الشك، وألا تؤدي إلى تغيير الجغرافيا السياسية.
وأكد ضرورة الحفاظ على خارطة قطاع غزة، وعلى سياسة المعابر، وصون الإنسان الفلسطيني ووجوده داخل الخارطة الفلسطينية، دون تدمير المكتسبات، وذلك في إطار اتفاق سلام يفضي في نهاية المطاف إلى إعادة الإعمار، وإرجاع الفلسطينيين إلى ديارهم، ووقف الاستيطان في كل من قطاع غزة والضفة الغربية، في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات كبرى على مستوى الصراع.