عندما تحدث الملوك عن عبد الهادي بلخياط…حكايات من القصر الملكي

غيب الموت، اليوم، الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط، أحد الأسماء التي شكلت وجدان الأغنية المغربية لعقود، مخلفًا وراءه رصيدًا فنّيًا وذكريات خاصة ظلت تُروى باعتبارها جزءًا من تاريخ الفن المغربي، من بينها لحظات جمعت الراحل بالملك الراحل الحسن الثاني داخل القصر الملكي، عكست مكانته وقيمته الفنية والوطنية.

ومن بين تلك اللحظات، واقعة تعود إلى سنة 1971، خلال إحدى السهرات الفنية التي احتضنها القصر الملكي بمناسبة الأعياد الوطنية، حيث كان الملك الحسن الثاني يحرص على دعوة نخبة من الفنانين المغاربة والعرب، وخاصة من الساحة الفنية المصرية، من بينهم محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ.

وخلال تلك السهرة، التفت الملك إلى عبد الهادي بلخياط وطلب منه الغناء، تاركًا له حرية اختيار العمل الذي يود تقديمه، فاختار بلخياط أداء أغنية “ست الحبايب” للمطربة فايزة أحمد، من كلمات حسين السيد وألحان محمد عبد الوهاب، وأداها بإحساس لافت خلق حالة من الصمت والتركيز داخل القاعة.

وكان لتفاعل الموسيقار محمد عبد الوهاب مع الأداء دلالة خاصة، إذ أبدى إعجابه الواضح بالصوت المغربي وبطريقة الأداء، قبل أن يتقدم، عقب انتهاء الوصلة، بطلب إلى الملك الحسن الثاني للسماح لعبد الهادي بلخياط بالسفر إلى القاهرة، بهدف التعريف به لدى الجمهور المصري وفتح آفاق تعاون فني مشترك.

غير أن جواب الملك كان حاسمًا وذا دلالة عميقة، إذ أوضح لعبد الوهاب أن بلخياط لا يرغب في السفر. وبعدها مباشرة، نادى الملك الفنان المغربي وهمس في أذنه بعبارة بقيت محفورة في ذاكرته:
“شوف… والله إلا مشيتي معاه ندخلك للحبس. هو عبد الوهاب في بلادو، وأنت عبد الهادي في بلادك.”

هذه الواقعة لم تكن مجرد موقف عابر، بل عكست رؤية الملك الحسن الثاني للفن وللمبدعين المغاربة، إذ كان يرى أن الفنان المغربي يمتلك من الكفاءة والموهبة ما يجعله في مصاف كبار الفنانين العرب، دون حاجة إلى الارتهان لمسارات فنية خارج الوطن.

ولم تكن هذه الواقعة الوحيدة التي جسدت اهتمام الملك الراحل بمسار بلخياط، فالفنان كان يروي أيضًا قصة أخرى جمعته بالحسن الثاني، حين استدعاه ذات يوم وطلب منه إعادة أداء أغنية “عيد الصحراء”، يقول بلخياط إنه غنّى القطعة في ذلك اللقاء خمس مرات متتالية، وكلما انتهى منها طلب منه الملك إعادتها من جديد.

وبعد مرور فترة على تلك اللحظة، يتذكر بلخياط، أعلن الملك الحسن الثاني عن المسيرة الخضراء، وبعدها بأيام، طلب منه مجددًا أداء الأغنية نفسها.

وحين أخبره الفنان بأنه نسي بعض كلماتها، أجابه الملك ببساطة: “غير غنيها”، وأثناء الأداء، كان الحسن الثاني يوقفه أحيانًا لتصحيح الكلمات، بعدما حفظها عن ظهر قلب، بل قال له مازحًا: “من نهار سمعت أنا هاد الأغنية هادي ما نعست… وعبد الهادي مشى ينعس.”

وبرحيل عبد الهادي بلخياط، يستعيد المغاربة هذه الحكايات باعتبارها شهادات على مسار فنان حمل صوته بروح وطنية، وحظي بتقدير ملكي مبكر لمسيرة جعلت من الأغنية المغربية عنوانًا للتميز والخصوصية.

رحل الجسد، وبقي الصوت، وبقيت الحكايات شاهدة على زمن كان فيه الفن جزءًا من الرؤية الوطنية.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *