ما وقع الأحد المنصرم كما قال نور الدين مفتاح في افتتاحية جريدته: ‘’يمكن تشبيهه بعرس أسطوري محكم التنظيم انتهى في الفجر بوفـاة العريس!! معذرة على المبالغة، ولكن السحابة الخرافية للحزن ماتزال تخيم على المغاربة، بعد فقدان كأس إفريقيا للأمم بشكل دراماتيكي. ما كان ينتظر أن يكون تحقيقا لحلم أمة أصبح إحباطا جماعيا يجر أذياله جل المغاربة إلى الآن’’.
لكون ما وقع في مباراة المغرب والسنغال لم يبق مجرد حدث رياضي، بل تحول إلى قضية رأي عام وطني وقاري ودولي، حضر كل شيئ في نهاية هذا الكأس القاري،الا تواصل اللجنة المنظمة، والجامعة المغربية لكرة القدم و’’الكاف’’ و’’الفيفا ‘’عن قول حقيقة ما وقع، وكيف وقع ؟ ولماذا وقع؟ ومن كان وراء إفشال هذا العرس الرياضي الإفريقي الذي نظمه المغرب بمعايير عالمية؟

كانت وما تزال معرفة حقيقة ما وقع ليلة الاحد هو العنصر الأساسي الغائب، لأنه أثناء توقف المباراة واحتساب ضربة الجزاء للمغرب وطريقة طلب المدرب السنغالي انسحاب فريقه من الملعب، اغتنمت القوى المعادية للمغرب فرصة حيك خيوط المخطط، المدرب السينغالي لم يحتج على الحكم، ولم يأخذ الوقت الكافي لاتخاذ القرار لدعوة فريقه الانسحاب من الملعب، بل إنه مباشرة اتجه صوب المستودع مطالبا من لاعبيه الانسحاب، وفي هذه اللحظة بالذات ضاع الكأس من المغرب ، وبدأت خيوط المخطط تعطي أكلها ، حيث بدأ الجمهور السينغالي في زرع الفتنة والفوضى، بل إنه أراد الدخول للميدان لإحداث مجزرة ، في نفس الوقت حجت الجماهير الجزائرية منتشية بفوز الفريق السنغالي أكثر من السينغال ذاته ، وكأن الأمور كانت مطرزة بدقة .
وبعد فوز الفريق السينغالي بدأت الأفراح في عدة دول عربية وافريقية ، وليس في السينغال وحده وكأن الفريق المغربي كان يواجه منتخبا قاريا افريقيا، وليس الفريق السينغالي فقط .
لكن الطامة الكبرى، هو انه بعد إعلان فوز الفريق السينغالي بالكأس في جو جنائزي ، هيمن صمت رهيب :
– صمت كل المؤسسات الرسمية الوطنية والافريقية الدولية حول ما حدث وفي لحظته.
– غياب توضيح فوري من الجامعة المغربية لكرة القدم أو الجهة المنظمة للكأس حول كل ما جرى في المواجهة المغربية السينغالية،وكيف ولماذا؟
– صمت كل المسؤولين المغاربة بالجامعة المغربية ، واختفائهم عن الانظار .
– ترك المجال التواصلي للإشاعات والتأويلات وتداول الاخبار المضللة .
– غياب ناطق رسمي للجنة المنظمة لإحتواء الأحداث المتسارعة وتقديم الخبر الرسمي حول ما حدث زاد من هول صدمة الرأي العام داخل وخارج المغرب.
– غياب تواصل مؤسساتي يعرف كيف يفسر للجماهير المغربية والإفريقية والعربية والدولية بلغة هادئة ومقنعة حقيقة ما وقع وكيف؟ ولماذا وقع؟ ومن المسؤول؟
أسئلة حارقة اخرى كثيرة تطرح ،لكن، أهم ملاحظة أثارتني عند الكثير من الإعلاميين والمحللين وهم يقاربون أحداث نهاية مقابلة المغرب – السينغال هو عدم الحديث عن عنصر أساسي هو غياب تواصل تدبير الأزمات اثناء وبعد وقوع أحداث يوم الأحد الاسود التي سببت أزمات تجاوزت المجال الرياضي.
غياب تواصل تدبير الأزمات في هذه الأحداث تركت الباب مفتوحا لفوضى ‘’السوشيال ميديا’’ التي وجهت الرأي العام الوطني والقاري الدولي،مما زاد من تأزيم الأوضاع وتضخيم غضب شعوب القارة الافريقية بدل احتوائه، ومن تصعيد الإحتقان الجماهيري بين شعوب القارة، ومن المساس بصورة المؤسسات الرياضية، ومن تشويه صورة الكاف والفيفا وعالم الكرة الافريقية، وتحويل نهاية مباراة رياضية قارية كانت غاية في التنظيم والجمالية إلى أزمة وطنية/قارية.
أقول هذا الكلام، لإقتناعي بأن أحداث وتداعيات مباراة المغرب والسينغال في نهاية كأس الأمم الافريقية تُؤكد أن الأزمات الرياضية ليست فقط تقنية أو تحكيمية أو تنظيمية أو تدبيرية فقط، بل هي تواصلية بالدرجة الأولى، خصوصا أوقات الازمات.
لكون تواصل تدبير الأزمات يمكن أن يحتوي حتى القرارات الخاطئة ، لكن الصمت وتغييب التواصل المؤسساتي في تدبير الأزمات يجعلان الفوضى والفتن تتسلطن، وهو ما عرفته مقابلة نهاية المغرب السينغال.
لأن نهاية المقابلة بين المغرب والسنغال لم تكن مجرد تسعين دقيقة من الركض خلف الكرة، بل كانت لحظة اختلطت فيها المشاعر بالهوية، والرياضة بالكرامة، والأمل بالخيبة، والفرح بالحسرة، والصدق بالخذلان،والاعتراف بنكران الخير.
لكن ما حدث بعد المباراة كان أعمق من نتيجة، وأقسى من خسارة، حيث ساد هناك صمت رهيب من كل المؤسسات الرسمية، هذا الصمت الذي كان أقسى ألما من صافرة حكم ظالمة، كما يقول أحد علماء تواصل تدبير الأزمات.
لأنه بعد بداية انسحاب الفريق السينغالي ، وبداية هجوم جمهوره لدخول لأرضية الملعب، وتوقف المباراة، اختلطت الأمور ، في تلك اللحظات التي كان فيها الراي العام الوطني في أمسّ الحاجة إلى كلمة تطمئنه من اللجنة التنظيمية لكاس الامم القارية، او من الجامعة المغربية لكرة القدم ، أو تفسير يخفف من غضبه، تُرك وحيدًا أمام سيل من الصور المبتورة، والتحليلات المتضاربة، والانفعالات الجارفة، فالجمهور المغربي لم يكن غاضبًا فقط بسبب ما رآه في الملعب،او بسسب سرقة الكاس القارية في واضحة النهار وامام أنظار مسؤولين كبار مغاربة وقاريين ودوليين،بل لأنه لم يجد من يخاطبه بصدق ووضوح واحترام، وطبيعي حين ما يُحرم الانسان من المعلومة الرسمية، يصنع روايته الخاصة، وحين تغيب الرواية الرسمية، تتكاثر الحكايات، وتضيع المعلومة الحقيقية بين التأويل والاتهام.
في الرياضة، لا يكفي أن يكون الخطأ تحكيميًا أو تنظيميًا، او نتيجة تواطئ او تخاذل، بل الأخطر أن يُترك بلا تواصل، بلا احتواء .
لقد أكدت أحداث نهاية كاس الأمم الافريقية بين الفريقين المغربي والسينغالي ،أن الأزمة لم تكن في التحكيم او التنظيم او الانسحاب او ضربة الجزاء فقط، بل في غرف التواصل الزسمية المغلقة، وفي البلاغات الغائبة، وفي العجز عن مخاطبة الناس بلغة لغة تواصل تدبير الازمات قبل لغة القانون.
لانه حين تصمت المؤسسات، تتكلم الإشاعات والتأويلات والاتهامات، وتتحول متعة المقابلات الرياضية من مساحة للفرح إلى ساحة للخذلان.
لذلك نقول، لم يكن الغضب الذي اجتاح الشارع الرياضي غضب كرة، بل غضب على صمت المؤسسات الرسمية التي اختفت ،وتركته وحيدًا في مواجهة أسئلة محرقة كيف ولماذا ضاع حلم 50 سنة في لحظات مارقة وخاطفة؟
د. ميلود بلقاضي