أثار القرار الإسرائيلي الاعتراف بالسيادة المغربية على صحرائه، الكثير من التفسيرات والقراءات السطحية والمسمومة والجاهزة، دون مقاربة هذا الاعتراف في ابعاده وخلفياته العامة والمعقدة ، فهو قرار مسار ، وقرار قناعة للأسباب التالية:
1 – قرار إسرائيل الاعتراف بمغربية الصحراء هو نتيجة مسار طويل من المفاوضات بين المغرب وبين اسرائىل بكيفية مكشوفة وليست سرية، وعلى أساس ثابت لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، هو وضع المغرب القضية الفلسطينية في مرتبة قضية الصحراء المغربية، وأن عمل المغرب من أجل ترسيخ مغربتيها لن يكون أبدا، لا اليوم ولا في المستقبل، على حساب نضال الشعب الفلسطيني من أجل نيل حقوقه المشروعة، وأنه سيواصل انخراطه البناء من أجل إقرار سلام عادل ودائم بمنطقة الشرق الأوسط.
2- قبل واثناء وبعد توقيع الاتفاق الثلاثي المغربي الإسرائيلي الأمريكي ، مواقف المغرب اتجاه قضية فلسطين بقيت ثابتة، بل إنه رفض بشكل صارم الكثير من الضغوطات الامريكية -الإسرائيلية لكي لا يؤول هذا الاعتراف الأمريكي الإسرائيلي بمغربية الصحراء على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، وهو ما أكدته الكلمة الموجهة من طرف جلالة الملك لرئيس السلطة الفلسطينية عباس أبو مازن غداة الاتفاق المغربي الاسرائيلي الأميركي، حيث جدد جلالة ملك المغرب تأكيده ثبات الموقف المغربي الداعم للقضية الفلسطينية.
3 – قرار اعتراف إسرائيل بمغربية الصحراء هو قرار سيادي يندرج في إطار الدينامية المتطورة والإيجابية التي تعرفها العلاقات بين البلدين، بفضل الرؤية الاستشرافية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس كقائد عربي وإفريقي، الذي قال بمؤتمر الرياض شهر أبريل 2016 وأمام كل ممثلي القوى العظمى إن “المغرب حر في قراراته واختياراته وليس محمية تابعة لأي بلد. وسيظل وفيا بالتزاماته تجاه شركائه، الذين لا ينبغي أن يروا في ذلك أي مس بمصالحهم”.
4 – خيار المغرب في تطوير علاقاته ليست وليدة مصالح ظرفية، أو حسابات عابرة، وإنما تستمد قوتها من الإيمان الصادق بأن هذا الخيار سيخدم أكثر القضية الفلسطينية في نظام إقليمي ودولي احتلت فيه الموازين.
لصالح اسرائيل ، حيث لم تعد قضية فلسطين القضية العربية الاولى لجل الانظمة العربية في ظل نظام اقليمي عربي ممزق ومشتت ومريض.
5. – عكس ما هو متداول عن قصد أو عن غير قصد يجب التأكيد-هنا- أن هذا القرار الإسرائيلي الجديد غير مرتبط بقرار استئناف العلاقات بين المملكة المغربية وبين دولة إسرائيل، بتاريخ 22 دجنبر 2020، باعتبار أن هذا الاعتراف هو تتويج لمسار سياسي ثنائي مستقل عن الاتفاق الثلاثي، بل هو تأكيد لاعتراف اسرائيلي بمنطق التاريخ وبحقيقة الجغرافية حول مغربية الصحراء التي تريد الجزائر الدولة الشقيقة طمسها لحسابات جيو سياسية ترتبط بخلفيات الحرب الباردة في من سبعينيات القرن الماضي.
7-يأتي هذا القرار منسجما ومتجاوبا مع مضامين خطاب جلالة الملك بمناسبة الذكرى 69 لثورة الملك والشعب، والذي أكد جلالته من خلاله أن “ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات”. وهو ما استوعبته جيدا إسرائيل ،ودفعها لاعتراف بالسيادة المغربية على صحرائه .
8 -من شأن هذا الاعتراف أن يفتح آفاقا واعدة ومشجعة لجذب استثمارات إسرائيلية مهمة من أجل المساهمة في تطوير وتنمية أقاليمنا الجنوبية، فإسرائيل أصبحت قوة اقتصادية عالمية وفهمت – جيدا- ان مستقبل الاقتصاد العالمي هو القارة الافريقية، وهي واعية جدا بالموقع الجيو -استراتيجي للمغرب كبوابة بين اروبا وافريقيا ، لذلك فالإعتراف الإسرائيلي بمغربية الصحراء قد يفتح آفاقا واعدة ومشجعة امام الإستثمار الإسرائيلي.
9- عكس ما تروج له الجزائر، إن هذا الاعتراف لن يؤثر بأي شكل من الأشكال على الموقف المغربي الثابت والداعم للقضية الفلسطينية ولحقوق الشعب الفلسطيني المشـروعة، وفي مقدمتها حقه في إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وعاصمتها القدس الشـرقية على حدود 4 يونيو 1967، تعيش جنبا إلى جنب مع دولة إسرائيل، في سلم وأمان، وفق القرارات الدولية ذات الصلة ومبادرة السلام العربية.
وهي المواقف الثابتة للمغرب منذ الملك الراحل محمد الخامس من القضية الفلسطينية، الذي كان من بين القادة العرب الأوائل الذي رفض أي تنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة في كل مؤتمرات القمم العربية.
10 – يندرج الاعتراف الجديد بمغربية الصحراء في سياق قناعة متزايدة لدى المجتمع الدولي بعدالة قضية وحدتنا الترابية وبوجاهة مبادرة الحكم الذاتي كأساس لحل واقعي وجاد وذي مصداقية، وذلك على غرار ما قامت به العديد من الدول كالولايات المتحدة الأمريكية و15 دولة أوربية (من بينها ألمانيا وإسبانيا وهولندا وسويسرا…)، وما تكرس من توجه دولي داعم، جسده فتح 28 قنصلية في أقاليمنا الجنوبية.
11- المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس رئيس لجنة القدس، سيواصل كما كان دائما، دوره الفاعل لخدمة السلام والاستقرار في منطقة الشـرق الأوسط، لفتح افاقا جديدة قوامها السلم والتنمية والتعايش في نظام إقليمي مضطرب عانى كثيرا من الحروب المدمرة.
12-فتح قنصلية إسرائيل بالداخلة سيحرج الكثير من الدول المترددة في فتح قنصلياتها بالأقاليم الجنوبية، ومن شأنه أن يخلق دينامية دولية لدعم سيادة المغرب على صحراه سواء علي مستوي المنظمات الإقليمية والدولية أو علي مستوى شبكة علاقات إسرائيل في مناطق جيو استراتيجية عديدة .
واخيرا ، نقول الاعتراف الاسرائيلي بالسيادة المغربيه على صحرائه لم يقف عند حد الاعتراف، بل ان اسرائيل ستخبر الامم المتخدة والمنظمات الاقليمية والدولية التي تعتبر اسرائيل عضوا فيها ،وكذا جميع الدول التي لها علاقات باسرائيل بهذا القرار، انه نموذج القرار السياسي الشجاع .
اكيد ، ان هذا الاعتراف هو نتيجة سياسة حكيمة ومتبصرة واستراتيجية لصاحب الجلالة ، والتاريخ يشهد ان ملك المغرب ينهج السياسة الواقعية والصارمة كما يمارسها القادة الكبار بالعالم ،وليس كما يمارسها النظام الجزائري الذي لم يتحرر بعد من عقدة تاريخ وجغرافية المغرب، ومن عظمة ملوكه، نظام عسكري خبيث يفضل نهج سياسة القادة الاقزام والمهمشين في نظام دولي متغير لا يعترف الا بالقادة الكبار الفاعلين والمؤثرين في السياسة الاقليمية والدولية بحكمة وبتبصر واقعية وبصمت.
د. ميلود بلقاضي رئيس المعهد المغربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية