من وحي غيثة.. المرأة سيدة الأيام والحرف العصي على كل المعاجم

كم كانت غيثة بهية الحضور ذات ندوة، مساء الثامن من أيار، وهي تشرح وتبرهن لنساء الكثيب، في عيدهن، حتمية وجوب ثورتهن ضد القيود الرجالية، المنبعثة من حب السلطة، وحب السحق نكاية في الجنس اللطيف، الذي حرق بجذوة حبه جوانح المتدثرين بشوارب كئيبة..
كم كانت موغلة في الفتنة، كتمثال آلهة يونانية من مرمر خالص، وبدا جسدها الشهي بكامل ألقه لما هَدْهَدَ النسيم ملحفتها التي كانت تخفي نهدا شامخا، متكبرا ومتمردا، يتحدى قانون الجاذبية وهو يطل بعنفوان من تلة بطن موغل في الفتنة، بطن يستند بإتقان نحات أكلت التماثيل من عمره حصة الأسد؛ إلى أفخاذ ممتلئة وقوسي أرداف سهامها لا تخطئ سويداء القلب.. وعلى رقبة أفروديتية حريرية الملمس، تتلألأ تحت جدائل ضوء السماء، خصلات شعر هاربة من أناقة قصته، تداعب القسمات المخملية المسيجة بإطار ثوب ملحفة ذات لون أزرق كالأفق، عمَّق من صفاء وجهها الطفولي، الذي توسط الإطار المَلْحَفِّيَ، تاركا الغواية تتطاير بشررٍ، من عيونٍ واسعةِ البياض حجازية الأبعاد، تسبح فيهما مقلة شيطانية، فُحِّمت بسخاءِ مصور الخليقة، فأنف دقيق التفاصيل موغل في الدهشة، تحته مباشرة ينام على سفحه فاهٌ لَمَاوِيُّ الشِّفَاهِ، يتكبر عن الأحمر الخداع بجاذبية خاصة..

من وحي غيثة.. المرأة سيدة الأيام والحرف العصي على كل المعاجم 1استرسلت غيثة في الحكي، وهي تمشي الهوينا خطوة خطوة، على أقدام حريرية النعومة كأنهما أقدام صبي في قِمَاطِهِ، تاركة جسدها البَضَّ يتبعها في تناسق تامٍ، حَرَكَةً بِحَرَكَةٍ، وينزلق وراءها في إيقاع واحد، كأنها وجسدها فرقة موسيقية تعزف سيمفونية الدهشة لتفاحة جمالٍ يشتهي كل آدمٍ قضمها خطيئةً لا يخشى عقباها..
استخرجت كلامها من جراب مخزونها، الذي يخبأ روائع الأدب العالمي، وخصوصا ما جاد به قلم فلاديمير نابوكوف؛ في رائعته العالمية “لوليتا”، والتي صور فيها الاستغلال المقيت للنساء من طرف الرجال.. وحبهم للملكية في صورة من صور ترميم نقص مكنون في صورة النفس.. وكيف استغل “هامبرت” تلك الصبية البريئة ذات الإثني عشر سنة، كي يبعث فيها صورة محبوبته و يشبع نفسه الممتلئة بالحرمان حد الحرقة..

كانت غيثة غاية في الروعة، وهي تعطي قرائتها للرواية، وتسقطها على المجتمع، والنسيم يغازل ملحفتها وهي تتنطط بغنج ودلال قائلة: أن لوليتا هي تلك الرواية التي تتحدث عن رجل أراد أن يمتلك طفلة في الثانية عشرة من عمرها، ويتحكم بحياتها فتسبب بموت والدتها (شارلوت) بشكل أو بآخر، وأبقى الفتاة الصغيرة لدية جاعلا منها عشيقة وسبية.. لقد حاول هامبرت أن يخلق من الطفلة لوليتا نسخة عن حبيبته (أنابيل لاي)، التي مثلت حب طفولته الضائع وغير المتحقق.. فكان عليه أن يحطم تاريخ لوليتا الحقيقي، وينتزع منها شخصيتها الحقيقية ليستبدلها بتاريخه المفقود، وشخصية حبيبته القديمة..

وهنا تتقاطع تابوهات مجتمع الوبر، مع لوليتا، تلك المقدسات التي عمدت منذ أيامها الأولى إلى طمس هوية الأنثى، وتعزيز الهوية الذكورية الواحدة.. كان الرجل يأسر خيال المرأة، مثلما قدم نابوكوف، لشخصية هومبرت في الرواية باعتباره المرجع الوحيد الذي تملكه لوليتا، ويمكن أن تلجأ إليه عند الضرورة.. ومثلما دمر هومبرت لوليتا (الحلم)، عبر استبدال ماضيه المشوه، بمستقبلها الطبيعي، فإن السطوة الذكورية دمرت مستقبل المرأة وشوهت أحلامها..

(…) خضت لجج القواميس من غير فلك، أكلت من ثمار وصلها في غيبة البعل.. وأخشى أن يكون شيطان الكتابة والأدب أدلاني بحبل مفتول بالغرور.. كم كانت كلمات غيثة نافذة، ومصممة على إزعاج أشباه الرجال، و هي شاخصة ببصرها في خطوط الضوء، المنبعث من تغزل الشمس بالمكان.. تلعن بنبل أنثى شهية حد الحرقة، وتتصرخ بصوتها المهدج وشعارها المعهود ضد إستغلال حواء، وتبصق بمرارة حزينة على تلك التواتم الرجالية، التي صورت سيدة الكون، كحذاء يمشي مشي التربية، ويخطو على وقع الطبخ والإنجاب، ورسمت لها بريشة فنان فاشل، مغرور، صورة مقتبسة من كل أواني المطبخ، كأن الرجل لا يستطيع الطبخ ولا يجيده.. وكيف أن غالبية المهاجرين يشتغلون طباخين في أرض المنافي المختارة، و القسرية، ليعودوا إلى زوجاتهم كأمراء لا يتحركون ولا يُحركون ساكنا.. وليس في الأمر سوى نقص مكنون، يريدون به إخراج حرقة العمل المتواصل، على أنغام صرير السرير..

إنطلقت غيثة في الكلام اللامباح، تحت فرشاة حلم يرسم أشعة شمس الصباح، صباح يحمل في أفقه إشراقة المستقبل، وهي تغازل الكلام من فاه بدوية مخملية القسمات.. وما زاد حضورها رونقا، هو ملحفتها اللازوردية الشفافة، التي تكشف عن مكنون الجمال في مفاتنها المتحررة.. تصرخ ملء عنفوانها المشاكس، وصوتها المهدج يزداد روعة حين يعيده الصدى، صدا في نواقيس الذكورة.. “تخيلن معي أن تستيقظن على وجبة فطور معدة بحب رجولي، ووردة رومنسية على الطاولة، مضمخة بحقكن في المساواة.. تخيلن أن يصير الرجل قصيدة عشق مقفاة بروي الحب والود والوئام.. تخيلن أن نرى الرجال في يافطات إشهارات الأعمال المنزلية.. وأن تفاجئ إحدى النساء بزوجها، ملتحف بوزرة الطبخ و هو يعد طبخة عشق ببزارات “الميتاحب”.. أليس رائعا أن نحترق بجذوة ولواعج المساواة بدل كلمات الحب والعشق المنبثقة من معاجم قيس وجميل.. أليس ممتعا وشهيا كالشبق، أن تسمعي رجلا يتغزل بك وسط أقرانه معترفا بحبه لك أمامهم، بدل بطولاته الماجنة معك.. ما أروع أن يأتي رجل بكل قوته وجبروته إلى امرأة أحبها، ليقول لها بملء قلبه، لن أسقط إلا في قلبك.. ما أجمل أن ترى إثنين أحبا بعضهما البعض حد الحرقة والموت، وأثمر حبهما عن زواج إنساني عشقي طبيعي، يتبادلان تحت سقف حبهما آيات التكافل كما يتبادلان آيات الحب والعشق والنجوى”..

إستدراك: آسف سيدة الكون والحياة، كل ما أملك من عبارات لن تكفيك حقك في عيدك.. الذي أومن حد التصوف أنه ينقصك لا يزيدك، فكل الأيام أيامك، فما معنى الوجد إلم يتغنى بوجدك سيدتي..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More