الديكتاتورية الصغيرة.؟ المثقف والسلطة والمقاطعة

ميلود العضراوي

ميلود العضراوي

عندما كان التغيير مشروع الدولة في السنوات الأولى من هذا القرن، كان “المثقف” متحمسا للفكرة ومستعدا لتبني المشروع في توجهه الثقافي والمجتمعي، وبدا الكاتب والصحفي والشاعر والباحث، مؤمنا بأفكار السياسي التي كان يرفضها من قبل ، “المشاركة من أجل التغيير”. حشد ” المثقف ” أدواته وفكره وثقافته وتجربته وخرج مدافعا عن قيم الدولة الحديثة التي تتبنى الديمقراطية والمدنية والحضارة وخدمة الصالح العام. ساهم في حقل النقد المباشر لتعزيز فكرة التغيير وقدم مشروعه الثقافي الخدوم . برزت كتابات تمجد المستقبل وتعلن الحاضر بداية لهذا التغيير، فاحتلت الإيديولوجية اللبرالية المقدمة وبرز القادة الجدد من الصفوف الخلفية للنضال. لكن ما ان دخلت الفكرة حيز التجربة في منتصف العقد الأول من هذا القرن ، حتى برزت معالم الوضع الجديد الذي تم تشكيله على مقاس الفاعلين الأطراف في مشروع الانتقال السياسي ،فانتقل “المثقف” من صانع للأفكار فحسب إلى مسؤول رسمي في أجهزة الدولة، وشيئا فشيئا فقد هذا الأخير هويته النضالية وثقافته الرفضية وأحلام التغيير التي كانت تشكل مبادئه ووطنيته.

انتقل حتما “المثقف” من وضع التصعيد إلى وضع المهادنة، ودخل حيز التجربة مسلحا بإيمان “المشاركة من أجل التغيير” في الحكومة وفكرة “المساندة النقدية” في البرلمان، طبقا لشروط المرحلة سياسيا واجتماعيا ، فبرزت أمامه المتغيرات تفرض نفسها بقوة ؛ ظهرت فجأة الأطماع التي كانت تختفي في نهاره وتنام ليلا تحت وسادته وتقطن في نصوصه وكتاباته الواقعية جدا وافتتاحياته الصباحية على صفحة جريدة.

نقض الصحافي عهده حين فتح أمامه “سمسم” باب الحكومة وحمل حقيبة وزارية. وخلع الشاعر عباءة الشعر الملتزم وانشغل بتقارير الوزارة في ديوان السيد الوزير ، ونبذ المنظرون في قضايا المجتمع والثورة، مفاهيم الفكر الاشتراكي واللبرالية الاجتماعية وانتقلت فكرة الإسلام أو الطوفان إلى اسلام معتدل يسير في ركاب المخزن، وظهر علينا علماء ومحللون جدد واستراتيجيون يبشرون بعالم مضيء ومجتمع سليم معافى، وسرعان ما صارت سياسة الاعتدال والحوار تتقرب من السلطة والحكم حتى أصبحت وسيطا بين طموح المثقف / المناضل، وبريق الذهب الرنان وعالم المال والاعمال الذي يناديه. انفتحت بوابة العالم السفلى واستقبلت كثيرا من رموز الثقافة والمعارضة السياسية الذين تحولوا بمنطق العولمة الجديد إلى مقاولين ورجال أعمال في السوق المفتوحة، مدافعين عن المنهج اللبرالي ومذهب الدولة في التغيير ومنطق الحكم كما تراه عيون الرأسمالية المتوحشة وشعار المرحلة الاقتصادية “دعه يمر دعه يفعل”، برر بموجبه “المثقف/المسؤول الحكومي”؛ حقه في الثروة وحقه في البورجوازية ونصيبه في الرفاه الاجتماعي وصار يخاصم من منبر عال الحشود التي تختلف معه في الرؤية والتفكير وينعتها بأقدح النعوت. انكشف كل شيء وصار “المثقف” صاحب عقارات وضيع ومصانع وإقامات في المدن الكبيرة الساحلية والجبلية وحتى في الجزر الجميلة البعيدة التي لا يغادرها الصيف، ودخل جوقة الملاك الجدد الذين استحوذوا على نصيب من الثروة العمومية وأصبحوا جزء لا يتجزأ من الرأسمالية المفضوحة. لقد برز التناقض في سيرة المثقف الذي نبحث عنه اليوم ليقول” نعم للمقاطعة”، ذلك الذي نريد منه أن يتكلم بطلاقة عن موقفه من الماء والحليب والطحين والدواء والغلاء الفاحش والفقر الممنهج وتغول الفساد وصعوبة العيش من حوله، وكلها لا تحرك فيه ساكنا ليس اليوم كما يبدو، ولكن منذ زمن الردة الثقافية والتهجين.

في الجامعة قال المثقف كلمته والتزم بنصوص المقررات ومناهج البحث واغلق على نفسه بوابة الفصل، وقالها الكاتب والباحث الذي يرى في المنهج الأكاديمي ضالته واستغرق نفسه في ركام الكتب التي يعلوها التراب، وقالها الأديب والشاعر الذي يحلق في خيال اللغة دون مضمون.. مضى هؤلاء جميعا مع خيار الحياد في الكتابة كي لا يدنسوا النص الطهور بالإيديولوجية المتسخة ، وكم كان فهمهم خاطئا لأن القيم التي دافعوا عنها في الماضي وتخلوا عنها الآن، لم تمت، بل بقيت حية في ضمائر الذين لم تبلعهم موجة العولمة وبقوا مخلصين لأنفسهم.

لقد برز الكفر في مسيرة “المثقف”؛ الكفر بقيم العدالة والإنسانية والمساواة. بعض المثقفين الآن يكرسون النموذج الذي حاربوه بالأمس؛ الفساد والرشوة والمحسوبية والكذب ولغة الخشب وينعتون كل من خالفهم الرأي بالجمود والعدمية والمؤامرة ضد المشروع الديمقراطي.وهو شيء غير مستغرب، لأن المثقف الذي تولى المسؤولية في المؤسسة، فقد هويته الثقافية والنضالية وتحول إلى حاسوب تتحكم فيه المؤسسة وتستعبده البيروقراطية وتستأثر به الأطماع، حتى صار أداة طيعة في يد الرأسمالية الجشعة التي تحركه في أي اتجاه، فتجربة التسيير التي خاضها كشفت عن وجهه الحقيقي  وعرت بنية الفهم عنده، فصار كيانا هجينا لا يختلف عمن اعتبرناهم بالأمس صناع الفساد والانتكاسة الحضارية لبلادنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تعليق 1
  1. miloud adraoui يقول

    جد مسرور بصدور هذا المنبر الإعلامي الذي يشكل قيمة اعلامية مضافة في بلادنا ..اللهم بارك يا رب

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More