بعد اعتراف ترمب: ستّة أسئلة دبلوماسية للغاية!

د. محمد الشرقاوي

شهدت علاقات الجوار المتأزّم أصلا بين الجزائر والمغرب تأزّما إضافيا قبل أيّام بفعل مناورتيْن: إحداهما سياسية في واشنطن، والأخرى إعلامية بين الجزائر والرباط، تزيد مضاعفات كلّ منهما في اتّساع الهوة بين الجارتين. فوسط تركيز أنثوني بلينكن وفريقه في وزارة الخارجية في واشنطن على تقييم ما وعد به الرئيسُ السابق دونالد ترمب الإماراتِ والبحرينَ والسودانَ والمغربَ وفق "اتفاقات أبراهام" التي ضمنت لحكومة نتنياهو التطبيع مع أربع دول عربية، وجّه سبعة وعشرون من الأعضاء الجمهوريين والديمقراطيين في مجلس الشيوخ رسالة إلى الرئيس بايدن لحثّه على العدول عن اعتراف حكومة ترمب بسيادة المغرب على الصحراء. فاحتدم السجال مجدّدا بين سائر الأطراف في المغرب الكبير بقراءات متلاطمة، وارتفع مستوى الحماسة العاطفية في أغلب الحالات إما بتفخيم قيمة الرسالة، أو بالاستخفاف بها، كما هو حال التأويل لأيّ تطوّر في موقف القوى العظمى بشأن النزاعات الإقليمية خاصة في المنطقة العربية.

يتحوّل المشهد في المجال العام ووسائل التواصل المغاربية إلى معركة حامية الوطيس متنامية التصعيد. وعند نصّ الرّسالة تُنحر قربانٌ سياسيةٌ أخرى لدى البعض على غرار ما حدث يوم صدور الإعلان الرئاسي الشهير لدونالد ترمب في العاشر من ديسمبر الماضي. لكنّ المهمّ الآن ليس تأجيج مشاعر العداء بين الأنصار والمعارضين في متاهات التأويلات، أو توجيه الشتائم، أو شيطنة من يخرج عن ملّة التفكير الواحد، والخطاب الواحد، والرؤية بعدسة واحدة، بل الأهمّ هو الحاجة لفهم واشنطن السياسية على واقعيتها وبرغماتيتها، ومدى استعداد المرء لفتح عصبونات ذهنه أمام التحليل الهادئ للمعطيات الجديدة، والتدقيق في ما ستنطوي عليه بلورة الموقف النهائي المرتقب لحكومة بايدن. لهذه الاعتبارات، تدعو الحاجة للتفكير مليّا في الأسئلة الستّة التالية:

  1. إذا كانت رسالة الأعضاء السبعة والعشرين في مجلس الشيوخ نتاجَ علاقات عامة قامت بها بعض جماعات الضغط من قبيل Foley Hoag التي سخّرتها الدبلوماسية الجزائرية، فما هو وضع جماعات الضغط التي تموّلها الدبلوماسية المغربية؟ ما هو مقياس فعاليتها أو ضعف أدائها خاصة منذ الإعلان الرئاسي لترمب قبل شهرين وأسبوع؟ وهل هناك استراتيجية موازية لدى الرباط في هندسة اللوبي المناسب، وهل من التقدير الواقعي أن يترقب المرء تشكيل جبهة موازية بسبعة وعشرين من الأعضاء الديمقراطيين والجمهوريين، ومن نفس المثقال السياسي، ممن يقدرون على قلب مسار الرسالة الأولى ودعوة الرئيس بايدن لتزكية واستدامة ما أعلنه سلفه ترمب؟
  2. عندما كانت الدبلوماسية المغربية تتفاوض مع البيت الأبيض ومكتب نتنياهو منذ 2018 على مقايضة الاعتراف بالتطبيع وزيارات جاريد كوشنير مستشار الرئيس ترمب ومايك بومبيو وزير خارجيته للرباط، هل أخذت الحسابات الاستباقية بعين الحسبان ضرورة توزيع بيض الرباط بين سلّة الرئيس وقتها دونالد ترمب وسلّة من سيخلفه إذا خسر الانتخابات؟ وهل تم الاستثمار في أعضاء ديمقراطيين وجمهوريين في مجلس الشيوخ لضمان تأييد الكونغرس وبقية المؤسسة السياسية، وليس مجرد البيت الأبيض؟ واليوم، يزداد السؤال إلحاحا: هل هناك في صف المغرب مشرّعون متمرّسون من عيار والسناتور دوربن رئيس الفريق الديمقراطي في مجلس الشيوخ، والسناتور الديمقراطي هيلي الذي ترأس جلسة محاكمة الرئيس السابق ترمب، والسناتور الجمهوري إينهوف، والسناتور الجمهورية كولنز، والسناتورالجمهورية ميركوسكي...؟ 
  3. عندما يصبح اعتراف الرئيس السابق ترمب بسيادة المغرب على الصّحراء، وتحويلها سيميائيا من "غربية" إلى "مغربية" بخارطة السفير السابق فيشر، محطّ سجالات سياسية جديدة في واشنطن وورقة ضغط بين الكونغرس وحكومة بايدن، تكثر الأسئلة بين المغاربة بشأن المرحلة الجديدة ومستقبل توقّعاتهم حول مصير تأييد أقوى دولة في العالم. وتستدعي المرحلة إحاطة الرأي العام، بما فيه المجتمع المدني والأحزاب والنخبة المثقفة وعموم المغاربة. فهل يظهر وزير الخارجية السيد ناصر بوريطة أمام الكاميرات للتعليق على مستجدّات الأمور، وما إذا كانت لديه استراتيجية بديلة من التعويل على كوشنير وترمب إلى استقراء موقف حكومة بايدن، وما تنبؤ به الاتصالات الرسمية بين وزارته ووزارة بليكن؟ 
  4. انبنت رسالة الأعضاء السبعة والعشرين في مجلس الشيوخ على مجموعة من الطروحات السياسية ومن بينها "انعدام مسار حال للتسوية" بالنسبة لصراع يوصف بأنّه "صراع جامد"، وأيضا التذكير بموقف الأمم المتحدة بشأن الحق في تقرير المضير عام 1966. ويطرح تركيب هذا الخطاب بهذا المنطق سؤالا عن حاجة الدبلوماسية المغربية لتركيب خطاب مواز يجسد الجدوى من التصور المغربي للحل بصيغة برغماتية تتفوّق على الصيغة المنافسة. فهل حانت اللحظة لألمعية فكرية ونبوغ سياسي جديدين في تقديم رؤية للتسوية تنفتح عليها الأوساط الديمقراطية والجمهورية في واشنطن؟ وهل هناك رأسمال سياسي مغربي يعرف كيف يستميل من يمسك مفاتيح صنع القرار بين مبنى الكابتول ووزارة الخارجية في واشنطن؟
  5. بعد شهر من نشر الإعلان الرئاسي لترمب دون استكمال فتح قنصلية أمريكية في الداخلة، بدأت بعض الاجتهادات تقول إن اليهود المغاربة في إسرائيل سيحملون جماعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة على تعزيز الموقف المغربي. وبدا أنّ الانفتاح الدبلوماسي على إسرائيل وتشييد خط جوّي بين الدار البيضاء وتل أبيب في نظر بعض الدبلوماسيين المغاربة استثمار في تأييد بالوكالة يمرّ عبر تل أبيب إلى واشنطن. وحتى إذا قبلنا بهذه الفرضية نظريا وأن اليهود المغاربة وجماعات الضغط اليهودية على قلب المغاربة، فإن الوقت الراهن يستدعي تأكيد ذلك التأييد العابر للقارات. وإذا لم يستفذ الموقف المغربي من ذلك حاليا، فقد لن تتراءى فرصة أخرى أكثر أهمية من هذه المرحلة. ومن مؤشرات هذه الانتظارية الهلامية حرص مايير بن شبات مستشار الأمن القومي الإسرائيلي في اتصالين هاتفين مع نظيره الأمريكي جيك سوليفن في الأسبوعين الماضيين على قضية إيران ومحاولة نسف عودة حكومة بايدن إلى الاتفاق النووي الإيراني، دون إثارة التوقعات المغربية بشأن موقف بايدن من قضية الصحراء.  
  6. تستدعي إدارة أي أزمة أو صراع المراجعة وتعديل بعض الإجراءات التكتيكية كلما تغيرت الديناميات والمواقف. ويستدعي التعامل مع الأزمات والصراعات وخوض غمار المفاوضات الدولية مرونة مطواعة وقراءات واقعية متأنية عند كل منعرج. فهل تقبل بعض الأمزجة المشبعة بالأنفة والاعتداد بالتصورات الذاتية في الرباط بفكرة التقريض والتقريض وتغيير المنطلقات غير المجدية. وهل يقبل قيدوم الدبلوماسيين المغاربة بأنّه قرأ في موقف دونالد ترمب أكثر من حقيقته، وربّما لم يفكر في أن تقلب الأوضاع السياسية في واشنطن يستدعي التحفيظ السياسي، على طريقة التحفيظ العقاري، بالمناداة بتحويل الاعلان الرئاسي إلى معاهدة جديدة قائمة بين الولايات المتحدة والمغرب بعض النظر عمن يخرج أو يدخل إلى البيت الأبيض. 

شيك برصيد أم بلا رصيد؟

تنطوي رسالة أعضاء مجلس الشيوخ على حقيقة أن وزارة بوريطة لم تنجح في صرف شيك ترمب عندما جاء كوشنير وبن شابات إلى الرباط لضمان تعهدات المغرب إزاء شروط نتنياهو. والآن يصبح رصيد ترمب للمغرب مهددا بالانقراض السياسي تحت ضغوط الأعضاء السبعة والعشرين في مجلس الشيوخ، مما يعكس توافقا بين عدد من قياديي الحزبين الديمقراطي والجمهوري. أما الحقيقة الأخرى فهي أن السيد بوريطة وبقية المبشرين بالاعتراف الأمريكي والقنصلية في الداخلة حاولوا احتكار الخطاب بشأن قضية الصحراء، أهم قضية وطنية لدى سائر المغاربة في الداخل والخارج. واليوم، يتحمّل كل من يلوح باحتكار الروح الوطنية أو من ينفخ في "نصر" الدبلوماسية المغربية المسؤولية عن مستجدات الموقف الأمريكي. هي لحظة تتطلب محاسبة الذات والجرأة في الإقرار بوجود عثرات على الطريق، على غرار الجرأة التي أبدوها خلال الاحتفالات ب"الانجازات الدبلوماسية" قبل شهرين. هي لحظة مفصلية تتطلب التقييم والتصحيح، وتستدعي أيضا أن ينتهي تعسف الاحتكار في توجيه مسار قضية ضحى من أجلها المغاربة منذ ستة وأربعين عاما. 

تحين لحظةُ الروح الوطنية المترفّعة عن مغانم التطبيع المقبلة، ولحظةُ حاملي الهمّ الوطني الحقيقيين ليقولوا كلمتهم ويساهموا في تركيب  استراتيجية المرحلة الجديدة. وتصبح الحاجة ماسة أكثر من أي وقت سابق لأن يقدم المجتمع المدني المغربي وشتى النخب المثقفة والشتات والأحزاب ومراكز التفكير وسائر الهيئات الوطنية رؤى بديلة تقوّم العثرات وتعزز منحى التعددية والاجتهاد من أجل تركيب استراتيجيات المرحلة الجديدة.

الجزائر والمغرب: نرجسية الفوارق الضئيلة!

على المستوى الإقليمي، بدا أن هناك علاقة توازٍ وتناسبٍ بين تطور الخطاب السياسي والخطاب الإعلامي في حالة الارتفاع والرقي أو في حالة التراجع والانحدار. واتضحت القرينة الضمنية بين رقيّ الشهامة السياسية في عهد الكبار وبؤس الوضاعة السياسية في فترة الصغار، وهي بالتالي أمارة من الأمارات الخلدونية على تقدم الدول أو تخلفها بما يعكسه الخطاب السياسي وبجواره الخطاب الإعلامي. ولا يتمدّد الثاني إلاّ حيث يجد تشجيعا علنيا أو ضمنيا من قبل الأول، وهذه جدلية السياسة والإعلام خاصة في المنطقة العربية. وتمثل علاقة السياسي بالإعلامي حاليا في الجزائروالمغرب حصيلة نفسية وسياسية قابلة للتفكيك، وتساعد على تفسير  السجال الراهن في الفضاء المغاربي المحتدم حول مشهد تمثيلي قدمته إحدى قنوات التلفزيون الجزائري للاستخفاف بملك المغرب محمد السادس، وبعض الأشرطة التي تبنّت الردّ بالتهكم على الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون. 

حاول منتجو البرنامج الجزائري تركيب سيناريو فضفاض غير متجانس بالتهكم أوّلا على عادة "تقبيل يد الملك" التي عفا عنها الزمن وتخلى عنها القصر الملكي في الرباط منذ عشرين عاما. فكان المشهد في أغلبه ارتجاليا في البحث عما قد يغدو سخرية غير طيعة بشأن "التطبيع مع الصهاينة"، و"الاعتراف"، و"تويتة ترمب"، وبضعة إسقاطات جامحة أخرى من قبيل أن "أغلب دول العالم ضدك (الملك) وضد المغرب." وبدا أن بين منتج البرنامج ومقدّمه مسافة ليست بالقليلة من معرفة مستجدّات العلاقات الدولية وأين يقف المغرب بين صفّ حلفائه وصفّ خصومه! وخلال التفاعل بين الشخوص الافتراضية والواقعية، بدا المشهد في الأستوديو عالقا بين الفكاهة القائمة على السخرية والشتيمة السياسية المباشرة. فلم يكن أصيلا أو مجدّدا، بقدر ما حاول الركوب على موجة التقليد لبعض برامج الدمى المتحركة الساخرة في بعض القنوات البريطانية والفرنسية. 

ينطلق كل خطاب سياسي وكل خطاب إعلامي من ذهنية مركبة، وسياقات متداخلة، وثقافة سياسية متحفّزة تستقي بوصلتها من قضايا الساعة وأولويات الدولة المركزية. ولا ينمّ المشهد التمثيلي/الواقعي في الاستوديو في الجزائر عن طبيعة الصورة السلبية التي تستهدف النيل من سمعة الملك أو إثارة حفيظة المغاربة فحسب، بل وأيضا طبيعة البنية النفسية والذهنية التي حفّزت على استخدام الصورة والرمز وبعض العبارات ذات الحمولة المثقلة، بمثابة أداة من أدوات المواجهة غيرالعقلانية إزاء المغرب في هذه المرحلة. وتواجه نظريات علم السياسة والعلاقات الدولية عجزا في  تفسير دواعي هذا الانحدار السلبي في الخطابين الجزائري والمغربي ووضع الباب الدوار في تصدير المسؤولية. وعندما يتحول التاريخ واللغة والدين والتجربة الاستعمارية والجوار الجغرافي إلى نقمة تنفخ في روح الصراع منذ خمسة عقود، يحتاج التحليل إلى منطلقات مغايرة في علم النفس الاجتماعي. ويستدعي العداء وتردي الخطاب بين الجزائريين والمغاربة توظيف مفهوم مركزي في أعمال عالمي النفس أرنست كرولي وسيغموند فرويد في بدايات القرن العشرين، وهو مفهوم نرجسية الفوارق الضئيلة der Narzissmus der kleinen Differenzen. ويقول فرويد في كتابه Civilization and Its Discontents "الحضارة ومبغضوها" إن المفهوم يعني" الظاهرة المتمثلة في أن المجتمعات التي لها أقاليم متجاورة على وجه التحديد ومرتبطة ببعضها البعض بطرق أخرى أيضا تنخرط في نزاعات مستمرة وتسخر من بعضها البعض" وأن "هذه الحساسية تكون تعزى إلى تفاصيل الاختلاف والتمايز."

كان الخلاف الشخصي والعداء السياسي بين الراحليْن الهواري بومدين والحسن الثاني على أشدّهما في منتصف السبعينات، وارتفعت حدة التنافس والجوار غير السعيد بين الجزائر والمغرب في أكثر من حقبة عصيبة، بداية بحرب الرمال عام 1963 ومرورا بالمسيرة الخضراء عام 1975، وأزمات متكررة أخرى. بيد أن مستوى الخطابين السياسي والإعلامي لم ينزلق أو ينحو منحى قزميا مثل ما يشهده حاليا. وثمة أكثر من سبب يساعد على فهم هذا التراجع في الخطاب الجزائري في ضوء موقف الرئيس دونالد ترمب من المغرب وقضية الصحراء، والسجالات المفتوحة حول مآل تحولات ميزان القوة في المنطقة. وعلى مر الأعوام الخمسة والأربعين الماضية، ظل صراع الصحراء ومن خلفه التنافس الجزائري المغربي يتحرك على هدي الثنائية القطبية الإقليمية: الجزائر مقابل المغرب بموازاة تأييد القطبين العالميين: روسيا والولايات المتحدة. لكن نهاية عام 2020، أنتجت تقلبات فجائية وإعادة الحسابات الاستراتيجية تجعل الجزائر في خانة ردة الفعل وتأهب غير مرتقب. 

في مقالة سابقة نشرتها في آخر ديسمبر الماضي بعنوان "الخطاب الجزائري: روحٌ وطنيةٌ أم هندسةٌ قوميةٌ؟" نبّهت إلى مغالطة الخلط بين الوطنية والقومية، فقلت وقتها "يستثمر الموقف الجزائري الراهن في منطقة رمادية بين فضائل الروح الوطنية وخطايا الروح القومية. وينطوي الخلط بينهما على تقارب مغلوط في المفاهيم، لكن بينهما تنافرٌ شاسعٌ، وإنْ كان خفيا، وإن كانت البشرية لم تحسم بعد خياراتها في الفصل بين الروافد الوطنية والقومية التي تضخّ الوقود في تراجيديا الخير والشر في كل زمان ومكان."

واليوم، ينطوي المشهد التمثيلي الجزائري ومنحى ممثليه نحو التهكم على ملك المغرب على نزعة قومية قد تبدو لدى الجزائريين تنفيسا أو تجسيدا لروح وطنية مغلوطة. لكن هذا الخطاب الإعلامي التحقيري لملك المغرب ومعنويات المغاربة جزء من قومية سياسية تقوم على نزعة نرجسية جماعية تسخر وتتهكم وتنساب خلف تركيباتها القومية البراقة. هي سياسة أو عقيدة تأكيد مصالح يؤمن المرء من خلالها بأن مصالح دولته منفصلة عن مصالح الدول الأخرى أو المصالح المشتركة لجميع الأمم.  وقد احترس الأديب الفرنسي فولتير من القومية لأن "الشّرط الإنساني هو أن ينشد المرء عظمة الوطن الأم، وأن يتمنى الشرّ لجيرانه."

قد يطول تفكيك دواعي هذا الخطاب الإعلامي/السياسي الجزائري الساخر على المغرب، وقد يدغدغ مشاعر بعض الجزائريين القوميين بشعار الوطنية المضلّلة. وعند اعتماد أدوات علم النفس الاجتماعي في تشريح مثل هذه الشتيمة السياسية بغلاف فكاهي، يقول سيغموند فرويد إن الشتيمة "إساءة لفظية للخصم السياسي بقصد الحط من قدره أمام الجمهور"، والأهم من ذلك أنها "ردّ فعل لفظي على إحباط أو فشل." وقد تلهم هذه العبارة لفرويد بدراسة دواعي الإحباط الجزائري على الأقل في هذه المرحلة كحاضنة لتلك القومية المنفوخة وتلك السخرية والشتيمة السياسية المحتقنة. وقد تنخار في الجزائر العاصمة بعض المعنويات المنفوخة، وتخفت نبرات التصعيد ونزعات التعالي، كما تفقد النفاخة أو العجلة ما فيهما من هواء مضغوط! 

في المقابل، قد يجد بعض المغاربة في المشهد التمثيلي تبريرا للدفاع عن أنفسهم وردّ الصاع صاعين. وقد تتنوع أساليب السخرية بين التلاعب بإسم الرئيس الجزائري "تبون" بإيحاءات جنسية، والتهكم على مؤسسات الدولة الجزائرية، والاستخفاف بتجليات أخرى لما هو جزائري. وقد يقول قائل "الشر بالشر، والبادئ أظلم"، لكن خطئين اثنين لا ينتجان صوابا واحدا.

هي طريق مغرية بمحاكاة ما دار بين جرير والفرزدق، وما أثار حرب داحس والغبراء، وما عصف برمال الحدود في حرب الرمال. لكن الحكمة المغربية والجزائرية والمغاربية مجتمعة تدعو للرقي والشهامة، وليس التعصب والانحدار إلى نقطة غير مسؤولة وغير متحضرة لا يرضاها ابن خلدون، أو الأمير عبد القادر، أو الملك محمد الخامس، ولا كافة الوطنيين المغاربة والجزائريين الذين اعتزوا بوطنيتهم المغاربية المتوهجة، ولم يدركوا أنها قد تغدو قومية سياسية وإعلامية متعنتة عمياء!

 

* أستاذ تسوية الصراعات الدولية وعضو لجنة الخبراء في الأمم المتحدة سابقا.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تعليق 1
  1. التاريخ يعاد يقول

    الملفت ان التصعيد “العنيف” الغير مسبوق ضد المغرب ووحدته في شخص جلالة الملك، يتزامن مع تحريك “عنيف” لأسطوانة جرائم فرنسا في الجزائر والتي تحركها في الوقت الذي يناسبها لأهداف بعيدة عن طلب الاعتذار او حتى التعويض !

    القنوات التلفزية الرسمية للجيش الجزائري – شعب الجزائر على ما يظهر لا يمثله العسكر ولا حتى الرئيس – كثفت في الآونة الاخيرة من برامج تذكر وتذكي نار الحقد ضد فرنسا في محاولة لابتزازها كما تفعل مع المغرب تماما !، وكأنهم يضغطون على فرنسا حتى لا تنظم للمعترفين بأحقية المغرب في صحرائه !

    مع الإشارة إلى أن الخريف بدأ يدق باب “العصابة” كما يسميها شعب الجزائر، ما سيتحتم معه لا محالة تغيير في النظام ليساير باقي الدول التي شهدت تقلبات خلال العشر سنوات الأخيرة لإجراء تغييرات ولو في حدها الادنى، لكن لا بد لحكام الجزائر ان يبقى وضع الصراع حول الصحراء مستمرا يرثه من سيأتي بعدهم، كغنيمة او ثمن لمنع أو لتخفيف المحاسبة …، فهذا النزاع سيذر ارباحا على حكام الجزائر في المستقبل كما فعل حتى الآن، لكن ليس على الشعب الجزائري، بل سيكون وبالا عليهم، يستعمل للضغط عليه والحجر على اصواتهم تحت ذريعة المصلحة الامنية العليا للبلاد في مركزها الجيوستراتيجي … الخ، من هذا الكلام

    على ما يبدو نفس السيناريو سيعاد مع بعض التجديدات remarked ، فالجغرافيا لم تتبدل، واسباب الصراعات والمصالح واطرافها المتعددة كذلك

    للإشارة فاسبانيا على الجهة الأخرى في نفس الخط تقريبا، تلعب اوراقها كذلك وان بشكل اكثر لباقة ورقي، وتلك قصة اخرى