توترات "القاسم الانتخابي"

تباينت تمثّلات القاسم الانتخابي من قبل فرقاء الفعل السياسي المغربي، بين مؤيد لاعتماد مطلب القاسم الإنتخابي على أساس الأصوات الصحيحة المعبر عنها، وبين اخر واسع يدعوا إلى ضرورة تفعيل قاسم انتخابي على أساس عدد المسجلين في اللوائح الإنتخابية. لكن بين المطلبين أمور عديدة تحتاج الدقة والوضوح حتى يتبين للهيئة الناخبة معالم الحقل الإنتخابي الراهن وملامحه المستجدة.
فالمؤكد أن طبيعة النقاش حول هاذين المطلبين، يحمل بين طياته تخوفات كبيرة من ارتفاع نسبة العزوف الإنتخابي في صفوف المواطنين المغاربة، وهو ما يمكن معاينته من طريقة دفاع كل طرف عن موقفه، حيث أفرزت وثيرة النقاش الى حدود اللحظة مقترحين رئيسيين:
المقترح الأول: يدعوا إلى طمس نسبة العازفين انتخابيا دون الاعتراف نهائيا بهاته الفئة والدعوة الى اعتماد قاسم انتخابي يأخذ بعين الإعتبار النسبة المشاركة فقط؛
أما المقترح الثاني: يريد من الحقل الانتخابي الوطني أن يتحمل تبعات الفئة العازفة انتخابيا، عبر إدماجها في قاسم انتخابي يأخذ في حسبانه العدد المفترض للهيئة الناخبة، من أجل تقوية التعددية السياسية وتمكين جميع الأطياف التي يفترض تمثيلها وممارسة مهام الوساطة بخصوصها.
يبدوا جليا من خلال التداول الحزبي حول القاسم الإنتخابي، أننا أمام مجموعة من الملاحظات الأساسية لابد من الانتباه إليها ومناقشتها:
هناك حالة اعتراف صريح بوجود وتنامي ظاهرة العزوف السياسي والإنتخابي ببلادنا بشكل مقلق، وهي ظاهرة بدأ الجميع اليوم يدرك أسبابها ومحدداتها، وبدأت تتنامى بفعل الضعف المسجل على مستوى قنوات التمثيل والوساطة التي تعيش ارتباكا واضحا في التعاطي مع منظومة القانون والديمقراطية؛
البيجيدي والبام المدافعين اليوم على مطلب القاسم الإنتخابي على أساس الأصوات الصحيحة للحفاظ على مكاسب 2016، لم يدركوا بعد بأن هناك تشكلا جديدا للخريطة الانتخابية، خاصة وأننا عشنا طيلة هاته الولاية قيادة حكومية بزعامة البيجيدي افتقدت الكثير من الجدية العمومية في التعاطي مع ملفات اجتماعية واقتصادية، كما قابلها سلوك للمعارضة بريادة "البام" الذي لم يكن يملك المؤاخذات والبدائل الوجيهة لعقلنة وكشف أعطاب العمل الحكومي والبرلماني؛
انطلاق بعض مكونات البيجيدي في ممارسة سلوك المظلومية واعتبار مطالب باقي الاحزاب محاولة لعزل "البيجيدي" سياسيا وتطويقه من قبل بعض الفرقاء بمباركة الدولة، سلوك يعارض روح الدستور ويتنافى مع طموح الناخبين ويؤسس لممارسة انتخابية غير مشروعة؛
تواجد البيجيدي على رأس حكومتين متتاليتين، واكبته وثيرة احتجاجية-قطاعية غير مسبوقة بالمغرب، ما يحيل بشكل مباشر الى ارتفاع في نسبة العازفين انتخابيا، هو الذي يفسر اندفاع البيجيدي اليوم الى التفكير في الاساليب الممكنة والضرورية للتخلص من هاته الفئة التي كانت السبب الرئيسي في ارتفاع منسوبها بشكل مقلق.
دعوة بعض الأطراف الى تفعيل الاختيار الديمقراطي، في اوج الاعداد للعملية الانتخابية، توجه غير متماسك بالشكل الكافي، اذ لا يمكن حصر البناء الديمقراطي في مجرد توزيع المقاعد البرلمانية والجماعية، وتغييب نقاشات عمومية مركزية عديدة توجد في قلب الانتقال والتنمية. وهي خدع حزبية وسياسية لم تعد تقنع الجمهور الناخب وتساهم في تخلي المواطنين عن دورهم في الإختيار والتعبير عن مواقفهم السياسية.
لقد كان من الأفيد على المدافعين على طمس وإقصاء "الفئة العازفة" ان يفكروا في الاسباب الداعية التي جعلت الحقل الانتخابي يتهاوى بهذه الكيفية التي بلغها اليوم، ناهيك عن ابتكار السبل الكفيلة بإدماج هاته الفئة في الاستحقاقات الإنتخابية المقبلة.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.