بنيس يكتب.. الإباحية الجديدة: روتيني اليومي نموذجا

تندرج ظاهرة روتيني اليومي ضمن سوق اقتصادية جديدة وهي السوق الرقمية، وهي سوق لها ما لها وعليها ما عليها، فإذا كانت مبنية على المشترك القيمي ومقومات العيش المشترك والرابط الاجتماعي، وتخضع لتقنين، فسيكون مرحبا بها من طرف جميع الشرائح الاجتماعية، أما عكس ذلك أي عدم احترام المنظومة القيمية، وركائز التعايش والمرجعيات الدينية والقانونية، فهذا يخلق نشازا فيما يخص الدينامية المجتمعية.

يبدو أن هناك حاجة ملحة لتأطير وإعادة النظرفي الطريقة والتعابير والايحاءات والتنويعات اللغوية والتواصلية والخطابية التي يوظفها اليوتوبرز في تناوله للمواضيع المقترحة. لا يمكن القول أنالمواضيع والمضامين مهمة أو العكس لأن هناك جمهور يتابعها، وهنا يطرح السؤال: هل يتابع الجمهور المضامين أم التعبيرات والايحاءات الجنسية؟

هناك بضاعة جنسية غير معلن عنها يمكن أن تستجيب لرغبات متابع معين، وهذا النوع من الغموض في التفاعل والمتابعة، يوحي أن الرواد لا تهمهم المضامين بقدر ما تثيرهم الايحاءات الجنسية كمسكن لثغرات والتهابات التنشئة الجنسية وإشباع لرغبات فردية مكبوتة.

من هذه الزاوية يمكن اعتبار فيديوهات روتيني اليومي التي ترتكز علىالايحاءات الجنسية هي نوع من من الإباحية الجديدة والبورنوغرافيةوالخلاعية االإقليمية، لأن الظاهرة ليست ظاهرة تهم ومنحصرة في المغرب فقط بل هي إقليمية تنتشر داخل باقي دول مينا : الشرق الاوسط وشمال إفريقيا.

لهذا يظل الهدف من فيديوهات روتيني اليومي المرتبطة بالايحاءات الجنسية هو التواجد الفعلي والفعال في “السوق”، والسوق يتطلب بعض التعاملات والتفاوض من أجل الربح السريع، ومن بينها بعض المهارات والقدرات والإستعدادات والمِؤهلات الجسدية. فبالنسبة لليوتوبرز هذه المهارات تشكل مورد دخل أساسي لهم، والدخل يتأسس على جذب وانجذاب الرواد والحصول على أكبر عدد من المشاهدات والمتابعات.

كما أنه لا يمكن الحكم على النيات والاهداف لكن يظهر حسب تشخيص بعض الفيديوهات أن الهدف منها ليس تعليم النساء كيف ينظفن أو يطبخنلا سيما أنها لا تتوجه لهن حصريا بل المستهدف هو الرجللشدهوضمان المتابعة من خلال ايحاءات جسدية ولغوية وتعبيرات خلاعية تحيل على عوالم الجنس.

ومن زاوية مقابلة تكمن خطورة فيديوهات روتيني اليومي المرتكزة على الاباحيةالجديدة في امكانية مشاهدتها من طرف الأطفال والمراهقين لهذاأضحتالحاجة ملحة الى تأطير قانوني يميز ويحدد ويضبط الوصلات المقبولة قانونيا والفئات العمرية التي يسمح لها متابعتها. فالمشاهد يمتلك الحرية في الولوج للمواقع ولصفحات اليوتوب، لكن هناك بالموازاة خطر على فئات أخرى من المجتمع، وهذا الإشكال يخص جميع التجارب الدولية لهذا وجب تهيئ البيئة القانونية الملائمة لضبط هذه السوق الرقمية الجديدة.

انطلاقا من هذا المنظور وجب كذلك تأطير وضبط كلما يدخل في خانةالجنسي من خلال جسر الأعراف والثقافة المحلية والمشترك المجتمعي والتنشئة الجنسية والمرجعياتالرمزية، وذلك بحسب طبيعة المجتمع، فالمغرب  له ثقافته وهويته التي تميزانه عن باقي بلدان العالم ولا يمكننا استنساخ النماذج دون ملائمتها للسياق والخصوصية المغربية ولمقولة التمغربيت . من الضروري التفكير في تداول وتفاوض مجتمعي لرفض أو قبول هذه الوصلات وهذه المضامين وإلى حدود الساعة لم نرى أي رد فعل قانوني أو مؤسساتي حول هذه الفيديوهات التي تمهد لتجارة جديدة، وذلك لأن هناك يوتوبرز يظهر بشكل جلي من خلال ما يقدمون أن الهدف الأساسي من وصلاتهم هو استعراض المفاتن الجسدية والايحاءات الجنسية لجني عائدات مالية تمكنهم من ضمان مستوى عيش لابأس به.  في هذا الباب يمكن اعتبارظهور أفراد عائلات اليوتوبرز معهن في فيديوهات روتيني اليومي نوعا من شرعنة ما يقمن به، ومحاولة إضفاء مشروعية غير مؤسساتية عبر الاتفاق مع عائلاتهن ومن يهمه الأمر، واعتبار أن ما يقوم به اليوتبرز هو عمل مقبول مثل باقي المهن كحل لمعضلة البطالة أو لعدم القبول بمهن مهينة وموسومة مجتمعيا على حد قول بعض اليوتوبرز.

وفي علاقتها بمنظومة القيم المغربية يمكن اعتبار الفيديوهات السالفة الذكر فيديوهات ومضامين تعكس احتباسا قيميا، بمعنى أنه إذا تم قبول هذا النوع من الأفعال الرقيمة ذات الجنوح الجنسي فإنهسيرهن الأجيال القادمة داخل مصفوفة من القيم بذاتها تعتبر المرأة كجسد أو كبضاعة تذر دخلا على صاحبها، ويتم هذا بشكل يجعل التعامل مع الآخر(الطفل واليافع والشاب و…) يرتكز على أساس أن له صفة زبون ويتم استهداف مشاعره وأحاسيسه ومكبوتاته لجذبه وجني أرباح من وراء انجذابه.وتباعا يمكن اعتبار هذا النوع من “روتيني اليومي” نوعا من التجارة الجنسية وضربا من المتاجرة في المكبوتات.

وبما أنه في الثقافة المغربية وباقي ثقافات دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا كل ما هو جنسي ممنوع، وكل ما هو ممنوع مرغوب فيه وعلى اعتبار أن العالم الرقمي عالم مفتوح وفي متناول الجميع، وهنا يكمن الخطر، سيتمخض الاحتباس القيمي على سلوكات وممارسات غرائبية ومنحرفة في صفوف الأجيال القادمة، ليس من منطلق أن المجتمع هو مجتمع محافظ، وإنما على أساس أن المجتمع يرتكز على قيم يتعايش من خلالها وعلى أساسها وهذه القيم تفرض أساسا التفاوض والتفاهم حول بعض الهوامش والفضاءات المفتوحة .

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.