هل تعني واقعة "لالة ميمونة" أن قرار تجميع مصابي كورونا كان غير صائب؟

تُظهر التطورات المتلاحقة أن تجميع مرضى كوفيد19 في مركزيين استشفائيين(بنسليمان وبنكرير) هو قرار متسرع ولا يفيد بوجود استراتيجية متكاملة لدى الحكومة في يتعلق بتدبيرها للجائحة، خاصة بعد ظهور حالات إصابة بفيروس كورونا في مدن بعيدة، وبؤرا جديدة، وبالخصوص بؤرة "لالة ميمونة"، التي صدمت المواطن المغربي وأدخلته في حالة من الشك والخوف فيما قد يحدث في القادم من الايام.

 

قرار تجميع المصابين في مستشفيين بنسليمان وبنكرير لا ينسجم مع التوجهات الاستراتيجية للدولة:

إن الظروف الاستثنائية التي فرضتها جائحة كورونا لايمكن لها أن تأتي على كل ما راكمه المغرب وتغيره، اقصد هنا ما انجز بخصوص الجهوية وتكريس النظام اللامركزي الاداري، الذي اعتمده المغرب كخيار ودخل في تجربته منذ مدة، فلا بد من العمل في هذا الاطار وأخذ قرارات تتماشى وهذا المنظور، وعليه، فكل سياسة آنية تصاغ لمواجهة ظرف ما يستلزم الامر أن تكون منسجمة مع المبدأ والتوجه الاستراتيجي العام الذي تتبناه الدولة، فإذا كانت هذه الاخيرة تسعى إلى ترسيخ الجهوية الموسعة، فكان على القرارات الحكومية أن تسير في هذا الاتجاه.

فاللحظات الاستثنائية التي تمر منها المدن والأقاليم في الوقت الراهن، بسبب جائحة كورونا، كفيلة في جانب منها باستيضاح مدى قدرة نجاح تجربة الجهوية في بلادنا وإلى أين وصلت؟، فهل هذا القرار في عمقه مؤشر يعني بأن الجهوية، والتدبير الجهوي لمختلف القضايا بما فيها الصحية، لا تزال بعيدة المنال في بلادنا أم ماذا؟

إن جزء من الجواب يكمن في تركيز السلطة في يد الولاة والعمال، من خلال منحهم رئاسة لجان اليقظة والتتبع المكلفة بتقييم تدابير الحجر الصحي، على مستوى كل عمالة وإقليم، فهذا الامر يعتبر في الحقيقة مظهر من مظاهر إفراغ الجهوية من كل مضمون، لكون أن تفعيل وإشراك المجالس المنتخبة يشكل إحدى مرتكزاتها وصورها.

فقد يفهم من سياسية تجميع المرضى في مستشفيين وطنيين أنها تهدف إلى تجميع الجهود، بغرض التحكم في السياسة العلاجية للمصابين بفيروس كورونا للقضاء عليها ومحاصرتها، ومع ذلك كان من الأفيد خلق مراكز جهوية أو إقليمية، خاصة بكوفيد ١٩، ومنفصلة عن المستشفيات العامة، لأن هذا الاجراء سيتماشى مع مصلحة المرضي،كما أنه سيزكي، في جانب منه، تجربة "الجهوية واللامركزية" في مختلف أبعادها، وسيُعتبر تمرينًا للنظام الجهوي اللامركزي، خاصة فيما يتعلق بالسياسات الصحية على مستوى الجهة.

وعليه فقد كان إسناد مسؤولية تدبير مخطط التخفيف من الحجر الصحي للولاة والعمال، عبر رئاستهم للجان اليقظة والتتبع المكلفة بتقييم تدابير الحجر الصحي، على مستوى كل عمالة وإقليم،(رغم ما أثير من نقاش بخصوص هذه المسألة، والتي اعتبرها المتتبعون تهميشا للمنتخبين و"إقصاءً" للجماعات الترابية فيما يتعلق بمتابعة مستجدات الحجر الصحي)، كان ممكنا ومنطقيا أن يليه خلق مراكز صحية جهوية وإقليمية 'لاحتضان' المرضى "الكوفيديين"، للتخفيف على الأقل من وقْعِ التكلفة النفسية التي ستخلفها عليهم عملية التنقيل وعلى عائلاتهم، وكذلك من جهة أخرى لاختبار قدرات الجهة في استيعاب ما تفرضه عليها التوجهات الجديدة للدولة من تحديات ورهانات، وكذا لتأقلمها مع مواجهة بعض الظروف الاستثنائية والطارئة كحالة كورونا.

 

- قرار "التجميع" لا ينسجم مع مصلحة المصابين بفيروس كورونا:

 

بالرغم أن القرار الذي تم اتخاذه من طرف وزارتي الداخلية والصحة، والمتمثل في تجميع المصابين بكورونا في مستشفيين على الصعيد الوطني، يبدو قرارا "تقنيا" يروم توفير الامكانية للمرضى الآخرين، المصابون بأمراض أخرى، وفتح المجال لهم لاجراء عملياتهم الجراحية المؤجلة، وكذا تمكينهم من الاستشارات الطبية الضرورية، إلى جانب كونه(القرار) يهدف أيضا إلى المساهمة في التخفيف من إجراءات الحجر الصحي..إلاّ أن هذا القرار وإن كان ذو إيجابيات ممكنة، فقد تكون له سلبيات،خاصة على المصابين أنفسهم، سنحصر بعضا منها في الآتي:

- نقل مريض من مدينة إلى أخرى له تدعيات نفسية لن تكون مفيدة لصحتة، لأن هناك من المرضى من كان قد بدأ بروتوكولا علاجيا مع أطباء معينين، إضافة إلى دخوله في عملية استئناس مع المكان الذي يتواجد به، فالمجال وكذا شخص الطبيب الذي يقوم بعملية المتابعة العلاجيه، لهما وقع إيجابي على الصحة النفسية للمريض، فالطبيب المعالج والطاقم الذي يشتغل معه له دور فعال في الاسراع بشفائه، فلا نشك هنا في قدرات الأطباء وجميع الأطر الصحية المغربية ولا ننتقص منها، لكن عملية تنزيل البروتوكولات الطبية العلاجية قد تختلف من شخصية طبيب لآخر.وعليه فتبديل الطبيب المعالج قد يتطلب من المريض وقتا ليتكيَّف مع الوضع الجديد.

 

- الشخص المصاب حينما تقوم بعملية "ترحيله"عن موطنه(مدينته) إلى مدينة أخرى، ففي غالب الاحيان لن يكون نفسيا في أفضل الأحوال، فقد يتولد له إحساس سلبي لكونه سوف "ُيبعد"عن مكان تواجد اصدقائه وأسرته التي ستعاني بدورها نفسيا من هذا "الابعاد"، فرغم أن المصاب سيبتعد فزيائيا/جسديا عن أقاربه في كلتا الحالتين (سواء كان في إقليمه أو في إحدى المركزين المحدثين)، فلابد من الاقرار أنه إذا ما خيَّرتَه سوف يفضل البقاء في المستشفى القريب من مقر إقامة عائلته .

-نقل أكثر من450 مصاب في يوم واحد(من لالة ميمونة صوب بنسليمان) وما يتطلب ذلك من إجراءات ومن تدابير احتياطية ولوجستيك له تكلفة وليس بالأمر اليسير، كذلك نقل أشخاص مصابون من مدن بعيدة عن هذه المراكز الصحية التي أنشئت(بابن سليمان وبنكرير) وعلى مسافة(حوالي 600 كلم مثلا بين فكيك وبنسليمان، واكثر من 1500كلم بين بنكرير والداخلة)، تصل مدتها إلى عدة ساعات، قد لا يتناسب ذلك مع حالة المرضى، خاصة منهم أولئك المتقدمون في السن أو الذين يعانون من أمراض مزمنة أخرى، فالسير بهم لمسافات طويلة قد يخلق مضاعفات زائدة لديهم..فكيف لمريض أن يُؤتى به من مدينة فِكِيك مثلا إلى ابن سليمان بضواحي الدار البيضاء، أن لا يتأثر من السير لكل هذه المسافة؟!، فبدون شك ستصيبه"سخَانة" لا تقل خطورة عن حرارة كورونا.

 

إن المبررات التي قُدمت لتنقيل هؤلاء المرضى؛ كفتح المجال للمرضى الآخرين، وتخفيف اجراءات الحجر الصحي..قد تُفتَرض كمبررات وإجراءات معقولة، ومع ذلك لا يجب أن تتم على حساب 'صحة' من تم تنقيلهم، فأكيد أن هولاء سيتلقون مايلزم من العلاج والعناية في أي مستشفى تواجدوا فيه بالمغرب، ولا نشك في هذا الأمر، لكن من جانب آخر ليس من المعقول أن يجبر المريض على تنقيله من مدينة إلى أخرى، فمن حقه ومن واجب الدولة، أن توفر له خدمة العلاج عن قرب، وفقا لقاعدة "تقريب الادارة ومختلف الخدمات من المواطنين" وذلك في كل الظروف والأحوال.

 

قرار التجميع لا ينسجم ومصلحة الأطقم الطبية:

 

-ان الاطقم الطبية نفسها ستجد نوع من الصعوبة في التأقل مع هذا المعطى الفجائي، ففئة من هؤلاء خاصة الأطباء "الدخليين أو المقيمين"، الذين لا زالوا يشتغلون تحت تأطير وإشراف أساتذتهم..عبروا عن عدم رضاهم عن هذا القرار(كما هو الامر بالنسبة لاطباء المستشفى الجامعي بمراكش)،فهؤلاء غير راضون على هذا القرار لكونه سيؤثر عليهم، خاصة في يتعلق بتكوينهم،وبالتالي على إنتاجهم.

في هذا الاطار قد تطرح مسألة شروط ومعايير اختيار من يجب عليهم (الاطباء) أن يلتحقوا ببنسليمان وبنكرير، خاصة وأن التعامل مع مرضى كوفيد 19 ليس بالامر الهيِّن،فرغم الاحتياطات، فالطبيب نفسه قد يكون هدفا لهذا الفيروس.

قد يقول قائل أن مواجهة هذا الجائحة يدخل في نطاق الواجب الوطني، الذي يفرض الاستجابة في جميع الظروف والاحوال،اقول له نَعَم الامر كذلك، لكن المغاربة وفي مقدمتهم الأطباء.. لم يمتنعوا عن خدمة بلدهم فقد أبانوا عن حس وطني كبير وعبروا عن مسؤولية عالية، وما يقتضيه هذا الواجب من مجهود، لذلك أقول أن الاشكال الذي أعنيه هنا يكمن في السياسات المتبعة في تقسيم هذا المجهود وفي كيفية توظيفه بشكل معقلن، علمي ومنطقي.

 

فلا بد أن يكون هناك انسجاما في السياسات المتبعة لتدبير جائحة كورونا، ولا بد أيضا من استحضار حقوق ومصالح الجميع(مرضى وغير المرضى)، والتي يجب أن تكون دائما في صلب وجوهر هذه السياسات خطابا وممارسة.

أعتقد أن خلق مركزي، الاستشفاء ببنسليمان وبنكرير، كان أساسا لغرض مواجهة الحالة القصوى من الخطر، والمتمثلة في إرتفاع عدد المصابين وامتلاء المستشفيات الاقليمية والجهوية-الحمد لله هذه الوضع غير قائم-، وليس لتنقيل مصابين وتجميعهم فيهما،في ظل وضعية وبائية غير منفلتة، وفي سياق لا يبرر بما يكفي قرار من هذا القبيل.

أخيرا، إن بؤرة "لالة ميمونة"، تبين أن الحكومة ربما "ركزت" في الشهر الأخير على مسألة رفع الحجر الصحي، أكثر من مواجهة وتطويق فيروس كورونا، رغم أن الثاني هو الذي يحدد الأول، فعمليا فصلت بينهما حينما أحدث هذين المركزين، دون أن يكون هناك تقدير سليم ودقيق للحالة الوبائية في البلاد، ودون أن تكون هناك سيناريوهات واضحة، وذات نظرة شاملة، تحتمل حتى إمكانية عودة الوباء، لاقدر الله،أو وقوع بؤر واسعة النطاق كما وقع الأمر ب"لالة ميمونة".

إن الضغط الذي وقع على الحكومة، بخصوص ضرورة رفع الحجر الصحي..والاستجابة لحاجيات المواطن الاقتصادية و"الدعم"، جعلها في وضع مرتبك، وما قرار تجميع المرضى إلا أحد تجلياته،كما أن التأخر في عدم توضيح ما جرى في "لالة ميمونة" يشكل إحدى مظاهر هذا الارتباك، فلا بد من التواصل مع المواطن المغربي لكي يعرف الحقيقة اولا، ولجعله يدرك أن هناك مخاطر لاتزال قائمة ثانيا، ولفهم ما تتطلبه فترة ما بعد رفع الحجر الصحي ثالثا، فالمواطن المغربي في حاجة ماسة إلى اطمئنان و وضوح.. ، فأكيد أن رصد الاسباب وتحديد المسؤوليات، بخصوص ما وقع(بلالة ميمونة) وما قد يقع في أي مكان آخر، يشكل أحد أهم مفاتح التدبير الناجح لهذه المرحلة الحاسمة والحساسة.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تعليق 1
  1. ارقطي حسن يقول

    مداخلة في الصميم
    الله يعطيك الصحة