الإنعاش والإيكولوجيا: تخضير الاقتصاد وتجميل الحياة

من بين الدروس التي يجدر بنا استخلاصها من أزمة الصحة العامة التي نعيشها منذ أزيد من ثلاثة أشهر، هي ضرورةُ أخذ العامل الإيكولوجي بعين الاعتبار مستقبلا، فالوعي الإيكولوجي الذي نَــمَا خلال العقود القليلة السابقة، سوف يأخذ منحًى تصاعديا أكبر، ومن المُرَجَّحِ أن يتبوأ المُتغيرُ الإيكولوجي، الذي كان هامشيا في الماضي، مكانةً استراتيجية بارزة.

يتعلق الأمر، اليوم، برهان التوفيق بين ثلاثة توازنات أساسية: التوازنات الاقتصادية التي تفرض علينا أن نعيش وننتج ونستهلك حسب إمكانياتنا، ثم التوازنات الاجتماعية التي تقتضي توزيعا متكافئا ومُنصفا لثمار النمو الاقتصادي مع تمكين كل فردٍ من مستوى معيشي لائق من خلال محاربة التفاوتات المجالية والاجتماعية، وأخيرا التوازنات الإيكولوجية التي تتطلب الحفاظ على مواردنا الطبيعية واستعمالها بشكل عقلاني.

بالفعل، فقد أبانت الأزمة الصحية الحالية أن هناك علاقةً وطيدةً بين صحة الناس، من جهة، وبين تدهور مواردنا الطبيعية وارتفاع مستوى التلوث وتعمق الهشاشة الاجتماعية وتراجع جودة الهواء، من جهة ثانية. ولذلك فإن المقاربة التي تستمزج في آن واحد إشكالياتِ صحة الإنسان والحيوان والبيئة هي الوحيدة التي من شأنها أن تتيح لنا عيشا سليما ما بعد الجائحة.

تأسيسا عليه، من بين الرافعات الأساسية للإنعاش، هناك الإنعاش من بوابة الإيكولوجيا، وذلك من خلال تبني برنامج استثماري طموح للانتقال الإيكولوجي و"الاقتصاد الأخضر". هذا البرنامج يجب أن يضع ضمن أهدافه: القضاء تدريجيا على المصادر الطاقية المُلَوِّثَة والاستعاضة عنها بمصادر الطاقة الشمسية والريحية والمائية، فضلا عن حماية المنتوجات الفلاحية من التلوث عبر مراقبة استعمال المُبيدات التي تشكل خطرا حقيقيا على صحة المواطن وعلى جودة الطبيعة، بالإضافة إلى إدخال الجباية الإيكولوجية من أجل دفع الصناعات نحو محاربة التلوث من خلال اللجوء إلى أساليب إنتاج نظيفة وآمنة بيئيا، علاوة على تطوير الفلاحة البيولوجية كبديلٍ عن الفلاحة الكثيفة والمُستهلِكة لكميات كبيرة من الموارد المائية والمواد الكيميائية.

ذلك كله دون إغفال ضرورة تنقية فضاء المدن، بتطوير نقلٍ عمومي نظيف، وتهيئة ممرات خاصة بالدراجات، والنهوض بالنظافة وسلامة التغذية، والسهر على احترام القانون الخاص بمنع استعمال البلاستيك، والعمل على تعويض المواد الملوِّثة وغير القابلة للتحلل، كالبلاستيك، بمواد قابلة للتلاشي والتحلل بيولوجيا في الطبيعة، مع ضرورة تعميم التطهير السائل ومعالجة النفايات الصلبة وإعادة استعمالها في الاقتصاد الدائري، وتوفير وسائل وتقنيات الإتلاف الآمِن للنفايات الصناعية والطبية دون إضرار بالبيئة وبالصحة العامة، وكذلك تطوير النقل المُستدام بالاستثمار في النقل السككي حتى يُغطيَ مجموع التراب الوطني بكافة جهاته على المديين المتوسط والبعيد.

هذا البعد الإيكولوجي عليه أن يشمل أيضا، وعلى نطاق واسع، إعداد التراب وتهيئة وتخطيط النسيج الحضري، فالمدن الكبرى لم تعد الكثير من فضاءاتها قابلة للحياة، مما يجعلها محتاجةً إلى إعادة هيكلة حقيقية، وذلك ما يستدعي بالضرورة إعادة تنظيم المجال في اتجاه تحقيق التوازن بين الأنشطة الاقتصادية من جهة (إنتاج المواد والخدمات) والأنشطة السوسيوثقافية والترفيه والتسلية من جهة ثانية (أنظر تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي: "نجاح الانتقال نحو مدن مُستدامة").

وينبغي العمل، فورا، على تحويل الأراضي غير المبنية، أينما وُجدت في المجالات الحضرية، إلى فضاءات خضراء وأماكن للترفيه بالنسبة للأطفال. كما يتعين اعتبار أي اقتلاع لشجرة بمثابة جريمة ضد الطبيعة. وطبعا لا يمكن لأي تحسن على هذه المستويات أن يصير مرئيا دون القضاء النهائي على السكن العشوائي غير اللائق وغير الصحي، ذلك أن محاربة الهشاشة الحضرية تشكل جزءً لا يتجزأ من محاربة الفقر والمُضاربات العقارية.

لكن ينبغي أيضا العمل على مستوى منبع وجذور هذه الإشكالات الحضرية، حيث جل المشاكل التي تُعاني منها المدينة يوجد أساسُها في القرى، حيث بالنظر إلى أننا أهملنا لمدة عقود من الزمن العالَمَ القروي، لم يجد عددٌ كبيرٌ من المواطنين مناصا من الهجرة، أو بالأحرى الهجرة نحو المدن، لينضافوا إلى كل أولئك الذين يُعانون من أزمة السكن والمغلوبين على أمرهم، وليستقروا في الأحياء "الهامشية" المكتظة بالسكان، وهذا من بين الأسباب التي جعلت برنامج "مدن بدون صفيح" لا يحقق كل الأهداف المرجوة منه.

فالتحدي المطروح، اليوم، يكمن في تأهيل قُرانا حتى تصير ذات جاذبية تبعث على الاستقرار فيها، وفي جعل بوادينا  فضاءات تنافسية اقتصاديا وقابلة للحياة اجتماعيا. ولأجل ذلك علينا أن نوفر للساكنة القروية الشروط الضرورية لحياة لائقة، وهو ما يقتضي أولا توفير شغل قار، من خلال مجموعة من الأنشطة الإنتاجية والخدماتية، ويتوجب ثانيا أن نضع رهن إشارة هذه المجالات القروية كافة الخدمات الاجتماعية الأساسية، من مؤسسات تعليمية ومراكز صحية ووسائل نقل وماء صالح للشرب، ثم أخيرا يتطلب الأمر توفير المصالح الإدارية الضرورية، وأساسا توفير بِنية وخِدمة الأنترنيت والوكالات البنكية والبريد.

وحينما تتوفر هذه الشروط، بالإضافة إلى تطوير مراكز قروية صاعدة، ستتراجع الهجرة القروية، بكل تأكيد، بل إنه ليس من المُستبعد أن نشهد، فوق ذلك، هجرةً عكسية ورجوعا مكثفا من المدن نحو البوادي.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.