معركة الحريات الفردية المؤجلة

إن المجتمع المغربي ينزع -من خلال القوى المحافظة- إلى التعبير عن الطمأنينة السّاذجة والقناعات المتوارثة الجاهزة. فباسمها تم تأجيل الحديث والتشريع للوضع الرّاهن وللحريات العامّة والفردية، وخاصّة حقوق المرأة والأقليّات، ويحضر الجسد والتشريعات، والإرادة السياسية ضمن تساؤلات مشفوعة ببراهين كل قوامها إنسانية الإنسان.
 
نحن اليوم بحاجة لطرح تساؤلات مهمة مضمونها أين وصلنا في مسار إرساء دولة المواطنة التي تحترم الحقوق والحريات؟، سؤال يستوجب فتح باب النقاش الحر التعددي الديموقراطي في إطار دولة المواطنة التي تحترم مبادئ حقوق الإنسان، وهذا النقاش عامل لا محيد عنه في قياس مدى نجاح عملية الإنتقال الديمقراطي، وخلق رأي عام متحرر، قادر على التخلص من الوصاية كيف ما كان مصدرها.
 
اننا في لحظة حساسة تستوجب إعطاء الحريات الفردية مدلولها ، باعتبارها عصب الخيار الدمقراطي.. تلك الحريات التي كانت فزاعة بيد القوى المحافظة، بإسم الأصالة، تعمل على توظيفها من أجل بلوغ السلطة رغم عدم توفرها على مشروع مجتمعي.
 
كلنا نتذكر كيف قامت القوى المحافطة، على إشاعة "الخطيئة" في صفوف المجتمع، مما جعل الدفاع عن الحريات الفردية مهمة القوى الحقوقية الأصيلة، معركة محفوفة بالمخاطر. بل يتم الركوب عليا من اجل بلوغ غايات سياسية. كلنا يتذكر كيف تمت معارضة دسترة حرية المعتقد، ومبررات معارضة إلغاء عقوبة الإعدام.
و كيف كان هناك غموض لدى الحركة الحقوقية المغربية، من خلال تسخير القوى المحافظة لجمعيات تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان و هي في الحقيقة لايتعدى دورها التشوش على حقوق الإنسان، و اثارت اللبس و الغموض، فكيف لتنظيمات حقوقية تدعي الدفاع عن سيادة القانون. أن ترفض الدفاع عن الحريات الفردية، أليس هذا الازدواج اعطى الغطاء لتراجعات في تأويل الدستور، و أفرز لنا مشكل نفوس وليس فقط نصوص.
 
و كيف اليوم لها ان تشتكي من قاضي أوكل له المشرع حماية الحقوق والحريات وتجبره أن يتنازل عن هذا الدور و يعمل على الإشتغال بالتأويل المحافظ للحقوق و الحريات؟
هناك قاعدة متعارف عليها في علم الاجتماع إن المجتمعات عندما يضيق عليها الحال إقتصاديًا تزداد نزوعا نحو المحافظة. وأمر مناقشة الحريات الفردية الآن يتطلب التوقّف عند مستويين اثنين:
المستوى الأوّل: يتمثل في الإطار العامّ للحقوق والحريات، وهنا ينبغي الإعتراف بكوننا قطعنا كدولة أشواطًا كبيرة في هذا الاتّجاه على المستوى القانوني للحريات العامة، بالاعتراف بسمو حقوق الإنسان على التشريع الوطني.
 
المستوى الثاني: هناك معارضة شرسة فى تقنين الحريات الفردية من طرف القوى المحافظة، فرغم التنصيص على حرية الفكر والتعبير، غير انها ظلت عند حدود معيّنة، ويمكن القول إنّ المغرب يعرف مناخا عاما من الحريات مشجع، رغم بروز بعض الانتهاكات، و يعود ذلك الى وجود سرعتين مختلفتين للتحرّك على المستوى الحقوقي. فدستور 2011، أعطى سرعة كبيرة من خلال الإطار التشريعي العام، والتنصيص على العديد من المكتسبات، الحقوقية، أدت الى مصادقة المغرب على العديد من الاتفاقيات الدولية، على غرار قانون الإتجار بالبشر ، و مصادقة المغرب، بتاريخ 1 نونبر 2012 على البرتكول الاختياري لإتفاقية مناهضة التعذيب وغيرها من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
وترتبط السرعة الثانية بالممارسة السياسية، حيث شكل غياب النصوص المتعلّقة بالحريات الفردية، تهديدا للمكتسبات المتوفّرة فعلًا، و أجل نقاش الحقوق والحريات وإخراجها من دائرة التجريم، كحال بعض الأفعال المتعارضة مع حقوق الإنسان، التي تمس الحقوق الإنجابية، و استهداف الحياة الخاصة، من قبيل العلاقات الرضائية بين راشدين وحقوق النساء في أجسادهنّ.
إن فتح النقاش بغية المطالبة بتعديل القانون الجنائي كي يكون بنفس حقوقي، يعود لكون القانون يظل محرّكًا أساسيًّا للتغيير داخل المجتمعات. إن الوثيقة الدستورية تعرف فصولا تحمل تناقضات وقابلة للتأويل في كل منحى لكون نصوص الحريات الفردية ليست وحدة منسجمة، ويصعب قراءتها باعتماد أسس حداثية في شرح القانون أو النصوص الدولية والآليات الدولية لحقوق الإنسان، فالمشكل العملي الذي يطرحه الدستور هو مشكل تنفيذه عن طريق تشريعات تتناسب مع روح الدستور. أيّ تنزيله عبر إصدار قوانين تسدّ مواطن الفراغ والضعف التشريعيّين.
 
والمناسبة الآن مفتوحة لسد هذا الفراغ فيما يهمّ الحريات الفردية عند مناقشة القانون الجنائي المغربي المعروض الآن على مجلس النواب بلجنة العدل والتشريع.
 
لا يمكن الركون إلى درجة الوعي الشعبي، بسبب عوامل شتى هو كون المجتمع عندما يعرف انكماشا تنمويا يكثر التضييق على مساحة التفكير والنقد لدى الرأي العام. وتظهر ازدواجا على مستوى الفعل والممارسة.
 
إن اختلال التوازن لصالح القوى المحافظة، أفقد الحماس لدى النخبة التقدمية والحداثية المتواجدة في المؤسسات، و العمل على مستوى تكريس الحريات الفردية، بإستخدام حجّة التوقيت والظرفية للتصدّي لكل الأصوات المنادية بالحريات الفردية.
وواقع الحال يظهر أنه بفعل الأزمة الإقتصادية والإجتماعية، أضحى المواطن لا يفكر في علاقته بجسده ورفاهه الإجتماعي والجنسي، بل أصبح كلّ همّه التفكير في كسب قوته اليومي. لهذا فان العديد من الأصوات المحسوبة على الصف الحداثي، ظلت تتحجج، بكون المجتمع غير مؤهل، و اتخذت ذلك مبررا للرفض والخوف من مواجهة القوى المحافظة و التعلل بالظرف السياسي و أولوية الإهتمام بالجانب التنموي و الوضع الإقتصادي والإجتماعي. كتبرير لقيام المشرّع بإصلاحات تشريعية جزئية فقط للتشجيع على هذا الإتجاه الإجتماعي. غير مدركة بكون التغيير يكون بالقانون الذي يظل محرّكًا أساسيًّا للتغيير داخل المجتمعات.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.