الجنسية المغربية ليست محط مزايدات !

خلافا لما دأب عليه المغاربة من نقاشات ساخنة في منصات التواصل الاجتماعي ومختلف المنابر الإعلامية حول بعض القضايا التي تستأثر باهتمام الرأي العام الوطني، طفا على السطح خلال الأيام الأخيرة جدل واسع من نوع خاص. ويتعلق الأمر هنا بما أقدمت عليه مجموعة من معتقلي حراك الريف وفي مقدمتهم قائد الحراك ناصر الزفزافي، من خطوة في اتجاه التصعيد بعد أن نال منهم اليأس مأخذه، والمتمثلة في إصدارهم بيانا يوم 23 غشت 2019، يعلنون من خلاله التخلي عن جنسيتهم المغربية والتحلل من عقد البيعة. وهو القرار الذي أثار موجة من ردود أفعال متباينة بين مؤيد ومستنكر.

وبعيدا عن كل المزايدات السياسوية سواء من الجهة المناصرة لقادة الحراك والمؤيدة لقرارهم "الصادم"، أو المستنكرة لهذا السلوك الاستفزازي الذي من شأنه تطوير الأمور في اتجاه ما هو أسوأ، علينا أن نعلم أن طلب التجرد من الجنسية بات "موضة موسمية" تخضع لأهواء الأشخاص وأمزجتهم، فقد سبقت إلى ذلك فئة من الشباب أقدمت على ترويج أشرطة فيديو، يظهر فيها البعض يحرق جواز سفره والبعض الآخر يتوعد بعدم العودة إلى أرض الوطن، فضلا عن أولئك الذين كلما انتابتهم حالات من الغضب يبدون استعدادهم التام لهجرة البلاد واستبدال جنسيتهم حتى بالجنسية الإسرائيلية، تعبيرا عن تذمرهم من العيش في ظل الاستبداد وتفشي الفسساد والأوضاع المزرية والظروف الصعبة...

فالمؤيدون يرون في قرار الزفزافي والخمسة من رفاقه الآخرين خطوة جريئة في اتجاه إحراج السلطات المغربية أمام الصحافة الدولية، وإثارة الانتباه إلى ما يشعرون به من غبن بعد تعرضهم لأحكام قاسية بلغت عشرين سنة، لا لشيء سوى أنهم طالبوا بحقهم في العيش الكريم والعدالة الاجتماعية، ورفع قيود الحكرة والتهميش والإقصاء على منطقتهم التي لا تستفيد من ثمار التنمية على قدم المساواة مع باقي المناطق الأخرى. وزادهم شعورا بالألم استثناؤهم من العفو الذي شمل عددا من النشطاء المحكومين بعقوبات حبسية مخففة مقارنة مع الأحكام الصادرة في حقهم، وإخفاق جميع التدخلات الودية ومحاولات الوساطة الساعية إلى إطلاق سراحهم، وإنهاء مسلسل المعاناة التي يمرون بها وعائلاتهم.

وفي المقابل يرى المستنكرون أن القرار ليس سوى وسيلة مملاة عليهم، هدفها الابتزاز وممارسة الضغط  على السلطات المعنية، ومحاولة يائسة لإحياء ملف تم طيه بعد قول العدالة كلمتها وصدور العفو على عدد من النشطاء، الذين ندموا عما صدر عنهم من طيش واندفاع. ويذكرون في هذا الصدد بعدم تجرؤ أي شخص  من المعتقلين في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ممن اعتقلوا بسبب أفكارهم الجريئة ومواقفهم السياسية، على التبرؤ من جنسيته المغربية والتنازل عن وطنيته رغم شروط الاعتقال اللاإنسانية، إيمانا منهم بأن الجنسية ليست وثيقة إدارية محدودة الصلاحية، كما أنها ليست لحافا يتدثر به شتاء ويرمى به صيفا ولا رداء يلبس وقتما نشاء ويخلع عندما نريد. فالجنسية الأصلية تجسيد لروح المواطنة الصادقة، وذات جذور عميقة وراسخة في أرض الوطن، فهي الروح والدم والهوية وامتداد للنسب والانتماء، ولا يمكن للمغربي الحر التجرد منها مهما تعاظمت الشدائد واحلولكت الدنيا في عينيه.

فالجنسية هي أحد أبرز العوامل المؤثرة في ظهور القانون الدولي الخاص، باعتبارها أداة ساهمت في تقسيم البشرية إلى وحدات سياسية قانونية، وهي ما يصطلح عليها حاليا بالدول. لتأخذ بذلك بعدين أساسيين، أحدهما أفقي يتمثل في توزيع الأفراد على بلدان العالم، والثاني عمودي يساعد على تمييز الوطنيين من الأجانب داخل كل دولة ذات سيادة.

أما فيما يخص فقدان الجنسية الأصلية، فإن ذلك يخضع لشروط شخصية وموضوعية مؤطرة بنص القانون. حيث يحدد قانون الجنسية في فصله 19 خمس حالات أساسية، تتعلق الأولى: ب"المغربي الرشيد الذي اكتسب عن طواعية في الخارج جنسية أجنبية والمأذون له بموجب مرسوم التخلي عن الجنسية". والثانية: "المغربي –ولو كان قاصرا- الذي له جنسية أجنبية أصلية والمأذون له أيضا وفق مرسوم التخلي عن جنسيته المغربية". والثالثة ب"المرأة المغربية التي تتزوج من رجل أجنبي وتكتسب بحكم زواجها جنسية زوجها والمأذون لها بموجب مرسوم قبل عقد هذا الزواج بالتخلي عن الجنسية المغربية". الرابعة ب"المغربي الذي يعلن تخليه عن الجنسية المغربية في الحالة المنصوص عليها في الفصل 18 من هذا القانون، الذي يتحدث عن أبناء المجنسين وهم "القاصرون الذين كانوا يبلغون 16 سنة على الأقل في تاريخ تجنيسهم، ويجوز لهم التخلي عن الجنسية المغربية بين السنة الثامنة عشرة والواحد والعشرين من عمرهم". فيما الحالة الخامسة ترتبط ب"المغربي الذي يشغل وظيفة في مصلحة عمومية لدولة أجنبية أو في جيش أجنبي..." وهي الحالات التي لا تنطبق إطلاقا على الزفزافي ورفاقه.

نحن لا نشكك في غيرة الزفزافي ورفاقه على وطنهم واعتزازهم بالانتماء إلى المغرب، لكننا نرى أن قرار التخلي عن جنسيتهم جاء متسرعا، جراء ما يمرون به من اضطراب نفسي وحالة يأس متقدمة، بعد أن ضاقت بهم السبل وبدا لهم أن حظوظ الاستفادة من عفو ملكي صارت جد متضائلة. خلافا لما ذهب إليه بعض مناصريهم من أن القرار يندرج ضمن الأشكال النضالية والاحتجاجية المطلوبة، التي يمكن بواسطتها انتزاع الإفراج عنهم دون قيد أو شرط، ناسين أن إقحام الجنسية في مثل هكذا ملفات لن يزيد المشكل إلا تفاقما...

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More