التطور الخطير لـ"كورونا" يسحب ملف الفيروس من الحكومة ويعيده للدولة وللجنة العلمية

مثل الخطاب الملكي لثورة الملك والشعب خطاب الاستثناء في سياق الاستثناء. خطاب لم يشتغل خارج دائرة الوضع المقلق الوطني بعد التطور الخطير لفيروس كورونا، وهذا هو سر جاذبية و قوة الخطاب الملكي الذي لم يخرج عن حدود السياق وشروط انتاجه. خطاب ملكي اعاد الأمور الى نصابها بعد اقتناع جلالة الملك بصفته رئيس الدولة بعجز الحكومة تدبيرا وحكامة وتواصلا في الحد من التطور الخطير للوباء وتداعياته النفسية والاجتماعية والاقتصادية على الشعب، حيث قال:’’وإذا استمرت هذه الأعداد في الارتفاع، فإن اللجنة العلمية المختصة بوباء كوفيد 19، قد توصي بإعادة الحجر الصحي، بل وزيادة تشديده⌈...⌉ وإذا دعت الضرورة لاتخاذ هذا القرار الصعب، لاقدر الله، فإن انعكاساته ستكون قاسية على حياة المواطنين، وعلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية’’.

نلاحظ هنا رهان الخطاب الملكي على اللجنة العلمية وليس على الحكومة، وهي جملة تجسد مأزق كيفية تدبير الحكومة لملف الجائحة على عدة مستويات. فالخطاب الملكي لم يجد منطقا ان يتحول المغرب من بلد يضرب به المثل، في احترام التدابير الوقائية التي اتخذناها، وفي النتائج الحسنة التي حققها، خلال فترة الحجر الصحي، الى بلد تتضاعف فيه عدد الإصابات الجديدة بالوباء وعدد الوفيات، بل ان الخطاب الملكي أكد ان تدهور الوضع الصحي، الذي وصل إليه المغرب اليوم مؤسف، مؤكداً بكل صراحة أن الوضع لا يبعث على التفاؤل، ومن يقول غير هذه الحقيقة، فهو كاذب.

خطورة تدهور الوضع الصحي تدفع جلالة الملك إلى الظهور بثقله الدستوري:

يتفق علماء تحليل الخطاب السياسي ان قوة أي خطاب تتجلي في المسكوت عنه وليس المكشوف، وهذا ما جسده خطاب ثورة الملك والشعب الذي راهن على الدولة وغيب الحكومة، بل ان حديث جلالة الملك عن اسفه لتدهور الوضع الصحي اليوم وارتفاع معدل الإصابات ضمن العاملين في القطاع الطبي، وعدم تفاؤله بتطور حالة الوباء وتأكيده ان من يقول غير هذه الحقيقة، فهو كاذب يوحي بالشيئ الكثير، وزاد جلالته معطى آخر له دلالته العميقة وهو ان الدعم الذي تقدمه الدولة لا يمكن أن يدوم إلى ما لانهاية، لأن الدولة أعطت أكثر مما لديها من وسائل و إمكانات ، انها كلمات عادية لكن ان تاتي في خطاب ملكي وفي ظروف استثنائية وصعبة تعني الشيئ الكثير في مقدمته مخاطر تداعيات الوباء على خزينة الدولة وعلى الاقتصاد الوطني وعلى الوضع الاجتماعي.

يتبين من نبرة الخطاب الملكي ومضمونه ورهان جلالة الملك على الدولة وليس على الحكومة ومنح اللجنة العلمية المختصة بوباء كوفيد 19،توصية اعادة الحجر الصحي، بل وزيادة تشديده في حالة استمرار تدهور الوضع الوبائي بالمغرب انه من الممكن ان ينزل جلالة الملك بثقله الدستوري لاتخاذ القرار المناسب الا وهو الإعلان عن حالة الاستثناء التي تعني ان سلامة الشعب تسمو على كل قانون وضعي، وأنه من الضروري الاتجاه إلى أنجع الوسائل لمواجهة الأزمات العصيبة لان استمرار فتك وانتشار وباء فيروس كورونا قوة قاهرة تستدعي الإعلان عن حالة الاستثناء التي تؤكد كل الدساتير انها سلطة خاصة برئيس الدولة يلجأ إليها من أجل ممارسة دوره التحكيمي، وذلك من أجل مواجهة الأزمات التي تتعذر مواجهتها بالوسائل القانونية العادية، الأمر الذي يدفعه إلى اللجوء إلى الوسائل الاستثنائية، وهذا ما ينصّ عليه الفصل 59 من الدستور: “إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة، أو وقع من الأحداث ما يعرقل السير العادي للمؤسسات الدستورية، أمكن للملك أن يعلن حالة الاستثناء بظهير، بعد استشارة كل من رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين ورئيس المحكمة الدستورية، وتوجيه خطاب إلى الأمة”.وهذا هو ما يفسر رهان جلالة الملك على الدولة وتغييب الحكومة لتدبير الوضع الوبائي الحالي حتى لا نصل الى حالة الاستثناء

الخطاب الملكي يراهن على الدولة ويغيب الحكومة لمواجهة كورونا:

ركز الخطاب الملكي بنوع من البراكماتية الشديدة على مجهودات الدولة في مواجهة التطور الخطير لوباء كورونا مقابل التغييب التام للحكومة التي لم تذكر ولو مرة واحدة في الخطاب، وهذا له اكثر من دلالة على الفشل النسبي للحكومة في كيفية تدبيرها لوباء فيروس كورونا الذي تتحمل فيه الحكومة مسؤولية كبيرة انطلاقا من التنازل عن اختصاصاتها الدستورية للولاة والعمال لتدبير وضعية استثنائية رغم انها المعنية بتدبير الشأن العام الوطني ، واتخاذ بعض القرارات المتسرعة والاعتباطية، وضعف تواصلها بل تناقض تصريحات بعض وزرائها حول الوضعية الوبائية، وعليه فالإجراءات والقرارات التي اتخذتها لمواجهة كورونا ساهمت بشكل او بآخر في ما وصل اليه اليوم الوضع الوبائي.

وأكد جلالة الملك في خطابه أنه لم يقبل كيف كان المغرب يضرب به المثل، في احترام التدابير الوقائية التي اتخذناها، وفي النتائج الحسنة التي حققها، خلال فترة الحجر الصحي الى تدهور الوضع الصحي في وقت وجيز معبرا عن اسفه أن الوضع لا يبعث على التفاؤل، ومن يقول غير هذه الحقيقة، فهو كاذب ،‘’مضيفا: ‘’لم نكسب بعد، المعركة ضد هذا الوباء، رغم الجهود المبذولة. إنها فترة صعبة و غير مسبوقة بالنسبة للجميع’’، خصوصا بعد انهاك الوباء إمكانيات الدولة.

الوباء انهك إمكانية الدولة:

بلغة واضحة وصارمة أكد جلالة الملك ان الدعم الذي تقدمه الدولة لا يمكن أن يدوم إلى ما لانهاية، لأن الدولة أعطت أكثر مما لديها من وسائل و إمكانات وهذا مؤشر سلبي خطير تتحمل فيه الحكومة المسؤولية كاملة لكونها لم توظف الموارد المالية لصندوق

جائحة كورونا بكيفية عقلانية ، والخطير في الامر وفق الخطاب الملكي هو المستقبل في حالة استمرار فتك هذا الوباء وانتشاره، وعدم توفر الدولة على إمكانات الدعم، وارتفاع عدد الإصابات ضمن العاملين في القطاع الطبي ومحدودية طاقة المستشفيات التي هي غير قادرة على تحمل هذا الوباء وامام هذا الوضع المقلق نزل جلالة الملك بثقله الدستوري ليخاطب مباشرة الشعب ووضعه امام مسؤولياته بعد سحب جلالة الملك الملف من الحكومة ومنحه للدولة وللجنة العلمية لوضع الاستراتيجيات قبل فوات الأوان.

الدولة واللجنة العلمية وليس الحكومة من سيدبر الملف:

خطاب جلالة الملك كان واضحا وصادقا وواقعيا خصوصا بعد تأكيده انه إذا استمرت هذه الأعداد في الارتفاع، ‘’فإن اللجنة العلمية المختصة بوباء كوفيد 19، قد توصي بإعادة الحجر الصحي، بل وزيادة تشديده’’. مضيفا:’’وإذا دعت الضرورة لاتخاذ هذا القرار الصعب، لاقدر الله، فإن انعكاساته ستكون قاسية على حياة المواطنين، وعلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية’’.

امام هذا الوضع المقلق طلب جلالة الملك من الشعب بكل قواه التشبث بمرجعيات تلاحم سنة 1953 لالتزام الصارم والمسؤول بالتدابير الصحية، استحضار قيم التضحية و التضامن والوفاء، التي ميزت هذا التلاحم ، لتجاوز هذا الظرف الصعب مؤكد جلالته انه :’’واثق بأن المغاربة، يستطيعون رفع هذا التحدي، و السير على نهج أجدادهم، في الالتزام بروح الوطنية الحقة، وبواجبات المواطنة الإيجابية، لما فيه خير شعبنا وبلادنا.’’

امام دقة المرحلة وصعوبة الوضع يبدو ان جلالة خطاب الملك تجاوز الحكومة مؤكدا انه اذا ما استمر انتشار وفتك فيروس كورونا وعجز الحكومة عن المواجهة فقد يلتجئ لحالة الاستثناء بصفته رئيس الدولة لكون البلاد اصبحت باتت مهددة بالوباء.

والجميل في خطاب صاحب الجلالة انه رغم صعوبة الوضع الوبائي فقد ابان جلالته على بعد انساني رفيع المستوى قائلا: ‘’ان خطابي لك اليو م، لا يعني المؤاخذة أو العتاب؛ و إنما هي طريقة مباشرة، للتعبير لك عن تخوفي، من استمرار ارتفاع عدد الإصابات والوفيات، لا قدر الله، والرجوع إلى الحجر الصحي الشامل، بآثاره النفسية والاجتماعية والاقتصادية‘’.

انه إحساس صادق لملك صادق، وإنسانية ملك استثنائي في وضع استثنائي، وثقة ملك في شعبه في رفع التحدي، والسير على نهج الأجداد، في الالتزام بروح الوطنية الحقة، وبواجبات المواطنة الإيجابية، لمواجهة فيروس كورونا لتجاوز هذا الظرف الصعب.

إنه خطاب دق ناقوس الخطر وقام بتحذير الحكومة والمغاربة من مخاطر وتداعيات العودة الى الحجر الصحي بسبب التراخي والتهور واللامبالاة.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.