هل خرق بعض زعماء الأحزاب السياسية مبدأ دستوريا في اعداد مذكراتهم حول الانتخابات المقبلة؟

د. ميلود بلقاضي  

يدور نقاش دستوري وقانوني وسياسي بين بعض هياكل الأحزاب وأجهزتها ومناضليها بعد رفع قيادات الأحزاب السياسية المغربية مذكراتها لوزارة الداخلية بشأن مطالبها في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.وقد عمل  بعض قادة الأحزاب على اعداد هاته المذكرات على عجل وفي سرية تامة "بدرجات مختلفة" دون عرضها على أجهزة وهياكل وهيئات أحزابها للاطلاع عليها وأخذ مقترحاتها في موضوع يهمها بالدرجة الأولى الا وهو موضوع مطالب الأحزاب وتصوراتها بشأن اجراء الانتخابات التشريعية المقبلة.

مما جعل المتتبع للشأن السياسي والحزبي في حيرة ، ويستنتج عدة ملاحظات حول كيفية اعداد بعض قادة الأحزاب السياسية لمذكراتها حول الاستحقاقات الانتخابية المقبلة التي رفعتها لوزارة الداخلية في سرية تامة دون الرجوع الى قواعدها على الأقل لاطلاعها على محتوى هذه المذكرات، ومن اهم الملاحظات نذكر:

1 -لا تغييرولو نسبيا في سلوك الأحزاب اتجاه أجهزتها ومناضليها: هناك سخط وتذمر كبيرين عند عدد من مناضلي واجهزة الاحزاب اتجاه بعض قيادتها التي أحاطت اعداد مذكراتها بشأن الإنتخابات بكثير من السرية وكأنها سرا من أسرار الدولة في حين ان الموضوع يتعلق بشأن عام هو الاستعداد للانتخابات.ويفهم من هذا السلوك ان الازمنة تتغير والقوانين تتطور والدساتير تتعدل والاجيال تتعاقب والسياقات تتغير، لكن سلوك وعقليات بعض قادة الأحزاب تبقى ثابتة لا تتغير او لا تريد التغيير  وكأنها كائنات خارج معادلة التطور والتغير الامر الذي جعلها تستفرد بإعداد المذكرات بشأن الانتخابات  المقبلة ورفعها لوزارة الداخلية  دون مشاركة الهياكل والأجهزة الحزبية وكأنها تعيش خارج البنية الزمكانية لدستور 2011، ولم تستوعب بعد التغيرات التي يعرفها المجتمع المغربي ثقافيا وسياسيا وتكنولوجيا وفكريا وسلوكيا الذي لن يكون هو نفس المجتمع ما بعد كورونا.

2 - خرق الأحزاب لمبدأ الديمقراطية التشاركية:يعتبر مبدأ الديمقراطية التشاركية من المبادئ الأساسية التي نص عليها الدستور المغربي في اتخاذ القرارات بالنسبة للمؤسسات ويقصد به اشراك المعنيين بالأمر  في كل القضايا التي تهمهم،هذا المبدأ الدستوري قام بعض زعماء الأحزاب بتغييبه في اعداد مذكراتهم المرفوعة لوزارة الداخلية، وهو ما يؤكد ان عقلية بعض زعماء الاحزاب ما زالت تفكر بمنطق ما قبل دستور 2011 وتتخذ قرارات هامة تهم مستقبل احزابهم دون مشاركة او اشراك أجهزتها وهياكلها وهو ما يعارض ما نصت عليه احدى فقرات الفصل الأول من الدستور.

وحسب عدة مصادر فحزب ‘العدالة والتنمية’لم يشارك كافة أعضاء الامانة العامة واعضاء المجلس الوطني في اعداد المذكرة الموجهة للداخلية حول موضوع الانتخابات المقبلة. نفس المصادر أضافت بأن الامين العام لحزب الاستقلال إكتفى بدوره إخبار أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب علال الفاسي بمضامين المذكرة المشتركة مع حزب ‘الاصالة والمعاصرة’و‘التقدم والاشتراكية’ في اجتماع عن بعد دون تقديم تفاصيل.مصادرنا أوضحت أن الكاتب الاول للاتحاد الاشتراكي أحال مذكرة حزبه دون أن يطلع عليها أغلبية اعضاء المكتب السياسي ، في ذات السياق تحولت المطالب الانتخابية لحزب التقدم والاشتراكية الى سر من أسرار الدولة لا تعلم به المنظمات الموازية للحزب، بل إن بعض اعضاء الديوان السياسي لم يطلعوا عليها ولم يتداولوا بشأنها ،ونفس الشيئ يقال عن الحركة الشعبية وعن باقي الأحزاب.

3   -قلق وتذمر وتساؤلات داخل اجهزة الأحزاب: يطرح عدد من مختلف مناضلي الاحزاب أسئلة حارقة عن أسباب تهميش بعض قادة الأحزاب للهياكل وللأجهزة في اعداد مذكراتها حول الاستحقاقات الانتخابية المقبلة خصوصا ان بعضها يعيش الاكراهات اليومية للشأن الانتخابي ويمارسها وبالتالي فاقتراحاهم حول التعديلات ستكون عملية وقيمة مضافة خصوصا بالنسبة للنخب الحزبية الجهوية والاقليمية والجماعاتية.وقد نتج عن هذا التهميش تذمرا  كبيرا عند هذه النخب والهياكل التي اعتبرت استفراد القيادات الحزبية بإعداد المذكرات بشأن الانتخابات المقبلة تعبيرا  على عبثية بعض هذه الزعامات واستمرارها في ضرب مقتضيات الدستور والنرجسية السياسية واستهتارها بمبدأ الديمقراطية التشاركية.

الامر الذي ستكون له تداعيات على مستقبل بعض زعماء الاحزاب الذين ما زالوا يعتقدون بان الاحزاب هي دكاكين يتحكمون في مفاتحها لوحدهم وليست مؤسسات دستورية ينظمها قانون تنظيمي جاء ليقطع مع حزب الزعيم/ الرئيس/ الأمين العام الى حزب المؤسسة.

4   - تداعيات استفراد القيادات الحزبية بإعداد المذكرات: يعد تغييب بعض قادة الاحزاب مبدأ الديمقراطية التشاركية في اعداد مذكراتها حول الاستحقاقات الانتخابية المقبلة احدى المعيقات الموضوعية في مغادرة المناضلين للاحزاب ،اضافة لتداعياتها الوخيمة الحفاظ على وحدة  الأحزاب واحترامها من طرف مناضليها الذين يشعرون بالغبن وبالاستبداد وبالاستفراد في اتخاذ القرار، مما يدفعهم اما لمغادرة الحزب او الانشقاق عليه او الاستقالة النهائية من العمل الحزبي والسياسي وبالتالي الانضمام الى فئة المقاطعين  للفعل الانتخابي الذين يرتفع عددهم من انتخابات لأخرى وهو ما يشكل اهم المخاطر على الخيار الديمقراطي الذي اصبح احدى ثوابت البلاد.

هناك شبه اجماع بعد رفع بعض زعماء الأحزاب السياسية مذكراتهم حول الاستحقاقات الانتخابية المقبلة الى وزير الداخلية بانهم ما زالوا مستمرين بدوس مقتضيات دستور 2011  ومواد القانون التنظيمي للاحزاب السياسية  الداعية الى التدبير المؤسساتي لشؤون الأحزاب وفق مبادئ الديمقراطية التشاركية واسس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية.

لذى نقول في نهاية هذا المقال ان  الهدف من فتح هذا النقاش ليس التفتيش في جوانب قصور التدبير المؤسساتي  لزعماء وقادة الاحزاب للشأن الحزبي خصوصا اعداد المذكرات للاستحقاقات الانتخابية، وإنما تنبيه الفاعل السياسي  إلى الاهتمام اكثر في مذكراته المرفوعة لوزارة الداخلية لمطالبة الدولة بتوفير البيئات الحاضنة لانتخابات ديمقراطية ومدى استجابتها لـشروط التنافس الديمقراطي الجاد.

لان سؤال الديمقراطية التشاركية المطروح على الدولة والأحزاب اليوم يجب ان لا ينصب فقط علـى تنظيم انتخابات نزيهة وشفافة يستجيب للمعايير والشروط الديمقراطية، ولكنه يشمل ايضا مدى إرادة الدولة والأحزاب الالتزام  بمبدأ الديمقراطية التشاركية الفعلية لإعداد المذكرات بخصوص انتخابات 2021 التي ستكون استثنائية لكونها ستنظم في سياق استثنائي يتطلب القيام بثورة هادئة داخل الأحزاب وأجهزة الدولة، لاعتقادي البسيط بأن الانتخابات ليست هي توفير الامكانيات المادية والمالية واللوجستيكية او اصدار الترسانة القانونية المؤطرة لها، بل في توفر الإرادة السياسية عند الأحزاب والدولة وتوفير المناخ السليم لأجرائها لان  نجاعة العمليات والآليات الانتخابية ترتبط بشروط تأمين مـسارها نحـو مقاصدها السامية وهي افراز انتخابات حرة ونزيهة وشفافة اعتبرها الفصل 11 من الدستور  أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي.

 

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.