الطوسة: صعود اليمين المتطرف في الإليزيه.. سيناريو يقلق المغرب والجزائر

حققت الأحزاب المنتمية لليمين المتطرف (أقصى اليمين) مكاسب كبيرة في انتخابات البرلمان الأوروبي أمس الأحد، محدثة زلزالا سياسيا في فرنسا، وزيادة حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الاتجاه السياسي لأوروبا، لكن من دون الإخلال بالتوازن السياسي في بروكسل. وجاءت هذه الأحزاب بالمركز الأول في فرنسا وإيطاليا والنمسا، وحلت ثانية في ألمانيا وهولندا.

وفي فرنسا، تصدر حزب التجمع الوطني بقيادة جوردان بارديلا النتائج بنسبة تزيد على 31,5 بالمئة من الأصوات، متقدما بفارق كبير على حزب النهضة الذي يتزعمه الرئيس ماكرون (15,2 بالمئة)، بحسب تقديرات معاهد الاستطلاع. وبذلك سيحصل حزب الجبهة الوطنية على 31 من أصل 81 مقعدا فرنسيا في البرلمان الأوروبي.

وحسب مراقبين فهذه الانتخابات تحمل تأثيرات كبيرة على بعض المناطق والدول، ومنها المغرب العربي وأساسا المغرب والجزائر. ويعتبر البرلمان الأوروبي مركزيا في اتخاذ قرارات هامة مثل الاتفاقيات الاقتصادية بما فيها التبادل التجاري، وكذلك اجتماعية مثل مكافحة الهجرة.

وحسب مصطفى الطوسة المحلل السياسي في الشأن الأوروبي، فإن صعود اليمين المتطرف في أوروبا عامة وفرنسا خاصة سيكون له تأثيرات كبيرة على دول المغرب العربي، خاصة المغرب والجزائر. حيث يعتبر البرلمان الأوروبي مؤثراً في اتخاذ قرارات هامة مثل الاتفاقيات الاقتصادية ومكافحة الهجرة.

وأشار الطوسة في تصريح لجريدة "بلبريس"، أن بلدان شمال أفريقيا تتابع باهتمام كبير عواقب ما يسميه إيمانويل ماكرون "الرياح العاتية" التي تهب على القارة الأوروبية والتي تعد العقول لقبول حتمية السيطرة القصوى على السلطة، لافتا إلى أنه 'إذا كانت هذه الانتخابات الأوروبية لديها فرصة ضئيلة لتغيير التوازن الرئيسي داخل البرلمان الأوروبي، مع تغيير الرؤى والاستراتيجيات، فإنها تمهد الطريق لموقف قهري لليمين المتطرف الذي ستكون شهيته للسلطة أكبر في اليوم التالي لهذه الانتخابات". .

وأردف المحلل السياسي أن الرباط تتابع، مثل الجزائر العاصمة وتونس ونواكشوط، هذه التطورات باهتمام شديد، وتكتشف كل دولة المخاطر والفرص بطريقتها الخاصة، بالنسبة لبلد مثل الجزائر، لا يزال اليمين المتطرف يحافظ على هذا التراث الحنين الذي لم يقبل أبدًا استقلال البلاد. وستكون المصالحة التذكارية التي دعا إليها إيمانويل ماكرون تحديا بعيد المنال بالنسبة لمارين لوبان.

وأضاف أنه بنفس الطريقة التي تستعد بها العواصم الأوروبية بقلق لاحتمال عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في نوفمبر المقبل، وبنفس الطريقة التي تطرح بها العواصم المغاربية وإفريقيا نفسها بالفعل في السيناريو الذي يستطيع فيه اليمين المتطرف الاستيلاء على السلطة. الإليزيه في عام 2027.

وبخصوص سؤالنا حول تداعيات فوز اليمين المتطرف بالنسبة للمغرب، أكد الطوسة أنه إذا التزمنا فقط بالتصريحات والمواقف التي اتخذها قادة اليمين المتطرف فيما يتعلق بالمسائل المغربية الحيوية، فإن وصولهم المحتمل إلى السلطة يمكن من الناحية النظرية أن يكون بمثابة نعمة سياسية كبيرة.

وقال المتحدث ذاته إنه "وكذلك بمناسبة النقاش الفرنسي حول سيادة المغرب على أقاليمه الصحراوية وحملة التشهير التي يشنها البرلمان الأوروبي ضد المملكة، فقد أراد زعماء اليمين المتطرف أن يميزوا أنفسهم عن غموض السلطة في مكانهم من خلال اختيار معسكراتهم بوضوح".

وأوضح قائلا: "صحيح أن أيديولوجيي اليمين المتطرف، في علاقاتهم التي لا تزال عصبية مع الجزائر، سيعكسون تلقائيًا الخيارات السياسية والعسكرية للنظام الجزائري، من خلال وضع أنفسهم في المعسكر غير المواتي لهم".

وتساءل الخبير السياسي: "لكن هل يعد الوصول المحتمل لليمين المتطرف إلى فرنسا صفقة جيدة للمغرب؟، ليوضح قائلا:  ليس هناك ما هو أقل يقينا. على الرغم من مستوى الواقعية السياسية الذي ستفرضه هياكل الدولة الفرنسية العميقة عليها حتماً، فإن اليمين المتطرف الذي يسيطر على ينابيع السلطة في الإليزيه والجمعية الوطنية سوف يقع تلقائياً ومن باب الرجعية تحت إغراء سياسة سوف تؤدي في نهاية المطاف إلى ، الإضرار بمصالح المغرب.

وعلى المستوى الداخلي، قال الطوسة "يمكن أن يتحول هاجس الهجرة لهذا اليمين المتطرف، على المدى الطويل، إلى إدارة عنيفة لهذه الأزمة إلى حد ضرب ثاني أكبر جالية مهاجرة في فرنسا، المكونة من المغاربة. ومن غير المرجح أن يؤدي التركيز المرير على الطائفة الإسلامية إلى تهدئة علاقات فرنسا تحت تأثير اليمين المتطرف مع واحدة من البلدان المهمة في المغرب العربي مثل المغرب".

وخارجياً، يضيف، "أن إصرار هذا اليمين المتطرف المتضمن في برنامجه لمراجعة الشراكات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي ودول جنوب البحر الأبيض المتوسط ​​مثل المغرب، لن يخدم مصالح المغرب على المدى الطويل. يقوم اليمين المتطرف عادة بحملات لبناء الحواجز الجمركية. ونظراً لتدفق التجارة بين المغرب ودول الاتحاد الأوروبي، فإن هذا الميل إلى الاحتماء قد يشكل فرصة سيئة للغاية للمغرب واقتصاده المجاور القائم على التصدير".

إن فرضية وجود يمين متطرف في الإليزيه، في أعقاب فوز دونالد ترامب، ليست صفقة جيدة لا للفرنسيين ولا لحلفائهم. بالنسبة للبعض، سيكون هذا سيناريو كارثي، حيث سيتم طرح العديد من الأسئلة، وهو ما تنبأت به معظم معاهد الاقتراع على نطاق واسع. أولئك الذين يشككون في جدواه يتهمون بعض الدوائر بالتمثيل عمدا في محاولة للتعبئة ضد إمكانية حدوثه، حسب المتحدث.

وأكد الطوسة على أنه يجب على المغرب، مثل العديد من البلدان التي تربطها علاقة خاصة بفرنسا، أن تستعد لهذا الاحتمال. إنها تقترب أكثر فأكثر من هذا الواقع الذي يخشاه الكثير، مع فكرة أن جميع أنواع التمزقات والتسارعات قد تكون حتمية. وأنواع الاستجابات والتكيفات لدعم هذا التغيير يجب ألا تخضع لأي منطق ارتجالي.


شاهد أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.