الانتخابات المقبلة ..الدولة ..حزب العدالة والتنمية ..العشق الممنوع

د. ميلود بلقاضي

 تعتبر الانتخابات المقبلة محطة مفصلية في تاريخ المغرب المعاصر لكونها ستجري في سياق استثنائي صعب بالنسبة للدولة وللأحزاب السياسية تحكمه عدة تحديات :أولا- تنظيمها في سياق مغرب ما بعد كورونا الذي من الأكيد انه لن يكون هو مغرب ما قبل كورونا. ثانيا-  الانتخابات المقبلة ستكون صعبة ليس في سياقها الاستثنائي ولكن في تحدياتها خصوصا تحدي نسبة المشاركة التي من المنتظر ان تكون كارثية وهذا ما يرهق الدولة والاحزاب في سياق واقع حزبي تائه وبئيس فاقد لكثير من المصداقية. ثالثا-  تزامنها مع انزال النموذج التنموي الجديد وما يتطلبه من نخب ومؤسسات وهياكل جديدة يجب ان تكون مؤهلة لتفعيله.رابعا- تزامنها مع انزال الجهوية المتقدمة التي أصبحت ضرورة ملحة في ظل تعثر أجهزة الدولة المركزية على مستوى السياسات العمومية. خامسا  -تزامن تنظيم هذه الانتخابات مع افتراض كبير لاحتلال حزب العدالة والتنمية المرتبة الأولى في هذه الانتخابات لسبب بسيط هو القوة التنظيمية والانضباطية والتواصلية للحزب وديمقراطيته الداخلية وتوفره على كتلة ناخبة قارة وتماسك اجهزته المركزية والجهوية والمحلية مقابل ضعف باقي الأحزاب.

وامام هذا الوضع، فالدولة تبدو حائرة بين احترام قواعد اللعبة الديمقراطية وبين الخوف من فوز حزب البيجيدي بولاية ثالثة متتابعة وما سيفرزه ذلك من تداعيات داخليا وخارجيا . اما حزب العدالة والتنمية فهو حائر بين اربع رهانات:اولها الرهان على ولاية ثالثة مع الوعي بتداعياتها ومخاطرها. ثانيها الرهان على عدم الترشح في كل الدوائر في الانتخابات المقبلة مع الاخذ بعين الاعتبار تداعيات هذا القرار على تماسك الحزب. ثالثها عدم فتح المجال لعودة بنكيران لما ذلك من كلفة سياسية. رابعها كيفية الحفاظ على علاقات طيبة مع القصر .

 الانتخابات المقبلة والوضع الحزبي : يبدو ان الوضع الحزبي المغربي ما زال يعاني من امراض بنيوية مزمنة: صراعات   وتطاحنات داخلية - أزمة حكامة- تدبير فردي وليس مؤسساتي-  تشبث الزعماء بكرسي القيادة -رفض مبدأ التداول- عدم تدبير الاختلاف ديمقرطيا الخ .هذه الازمة البنيوية عرتها  من جهة جائحة كورونا التي أبانت تيه الأحزاب وبؤسها وضعفها الاقتراحي بل ان بعضها لم يتحرك ولم يحرك بعض اجهزته الا بعد الخطاب الملكي الاخير لثورة الملك والشعب، ومن جهة اخرى مذكراتها وتصوراتها حول الاستحقاقات الانتخابية المقبلة التي اكدت ان الوضع الحزبي المغربي ما زال يعاني حتى من بعد دستور 2011 والقانون التنظيمي للأحزاب رقم 29_11 من أزمة معادلة التعددية السياسية والتعددية الحزبية حيث ان 34 حزبا لم يقدم 34 مذكرة او تصورا بل ان جل مذكرات الأحزاب تكاد تتشابه وكأننا امام4   او 5 مذكرات وليس امام 34 حزبا.

ويتبين من خرجات قادة الأحزاب السياسية ان جل الأحزاب ليس لها تصورا شاملا واستراتيجيا للانتخابات المقبلة ، بل ان سقف أفقها لا يتعد البحث عن التموقع  في هذه الانتخابات، وبأي وسيلة عبر تركيز النقاش مع وزارة الداخلية حول العتبة والقاسم الانتخابي ونمط الاقتراع واللائحة الوطنية وكيفية منع حزب العدالة والتنمية من احتلال المرتبة الأولى في الوقت الذي تؤكد فيه نظريات علم السياسة ان العملية الانتخابية ليست عملية تقنية فقط ولكنها سياسية بالدرجة الاولى ، وهذا الوضع المقلق للمشهد الحزبي يقلق كثيرا الدولة التي تتخوف من  ظاهرة العزوف، ومن تشابه برامج الاحزاب ونرجسية قادتها .

الانتخابات المقبلة ومخاوف الدولة :تدل مؤشرات كثيرة ان الدولة واعية بصعوبة تنظيم الانتخابات المقبلة ولها مخاوف متعددة لا من حيث سياق تنظيمها، لانه سيكون سياقا استثنائيا صعبا،ولا من حيث نسبة المشاركة التي تبقى اهم مخاوف الدولة في ظل تزايد نفور المواطن من العمل السياسي نتيجة ممارسة الأحزاب وتناقضات خطاباتها مع ممارساتها، وتداعيات هذه المشاركة على تشكيل السلط التنفيذية والتشريعية ،ولا من حيث عودة حزب العدالة والتنمية لولاية ثالثة، عودة تقلق كثيرا الدولة التي تتخوف من امكانية وقوع  بلوكاج سياسي جديد يمكن ان تكون كلفته باهظة. لذلك ستتجه كل الأنظار نحو حزب العدالة والتنمية وكيفية تدبيره للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

الانتخابات المقبلة وحزب العدالة والتنمية: اثبت تاريخ حزب العدالة والتنمية انه يمارس السياسة بذكاء وبذهاء وبتكتيكات وباستراتيجيات ويكفي قراءة ما اروده الحزب مؤخرا في شأن تقليص عدد الترشح في الدوائر الانتخابية اومطالبة بعض اعضاء المجلس الوطني بمؤتمر استثنائي لتغيير القيادة الحالية أي العثماني لأهداف سياسية ترتبط بتصفية حسابات مع جهات معينة ما زالت ترغب في التحكم .

 لذى أقول حزب العدالة والتنمية سيتعد خوض الانتخابات المقبلة وامامه عدة استراتيجيات: أولها- ضرورة الحفاظ على القيادة الحالية الرميد العثماني الرباح الداودي اعمارة قادة الاعتدال داخل الحزب والمقربين من القصر للحفاظ على هذه العلاقة واغلاق الباب امام تيار بنكيران المتحكم بالمجلس الوطني للحزب، وهذه الاستراتيجية مشروطة بالتخلي عن ما يسمى في ادبيات هذه المجموعة بالتحكم وعدم الضغط عن الحزب ومناضليه.ثانيها -التفاوض على عدم تعديل الفصل 47 من اجل مصلحة الوطن والتأكيد ان الحزب مستعد لتقليص الترشح في عدد من الدوائر الانتخابية لكي لا يحتل المرتبة الأولى ويعود لقيادة الحكومة لما له من مخاطر أقصاها إمكانية وقوع بلوكاج جديد في ظروف استثنائية صعبة.ثالثها -امكانية عقد مؤتمر استثنائي والتخلي القيادة الحالية المقربة من الدولة ومن القصر لفتح الباب  لبنكيران ليعود للقيادة الحزب نتيجة الضغوطات الكثيرة التي يعاني منها العثماني : أ -ضغوطات من داخل الحزب أي من طرف تيار بنكيران والذي يطالب بعودة بنكيران لمواجهة التحكم وممارسات بعض عمال وزارة الداخلية وبعض رجالات الدولة العميقة الذين لهم عداء دائم للبيجيدي. ب - ضغوطات من خارج الحزب من طرف بعض رجالات الداخلية الذين يتواجهون مع  بعض مناضلي الحزب  كما حدث مؤخرا ببعض الجهات حيث وقعت مواجهات عنيفة بين ولاة وبين مناضلي الحزب ،واعتقد في هذا الصدد ان اخطر ما يهدد الانتخابات المقبلة هي امكانية  مواجهة بين وزارة الداخلية والأمانة العامة للبيجيدي اذا ما تمت ضغوطات على بعض مرشحي الحزب .رابعا إمكانية عقد مؤتمر استثنائي وانسحاب العثماني من الترشح لفتح المجال امام بنكيران للترشح والفوز بالأمانة العامة ليعيد كل شيئ الى الدرجة الصفر مع باقى الأطراف وحتى لو احتل حزب العدالة والتنمية المرتبة الاولى في الاستحقاقات المقبلة فلن يعين بنكيران رئيس الحكومة من جديد لانه من المستحيلات.

اكيد ان الانتخابات المقبلة ستكون صعبة بالنسبة للدولة ولحزب العدالة والتنمية وكل واحد منهما سيكون براكماتيا في تدبيرها وليس امامهما الا التوافق القبلي الذي سيلعب فيه الرميد الرباح والداودي والعثماني أدوارا أساسية لكن اذا ما مورست على البيجيدي الكثير من الضغوطات والتحكم بالقوة فان لهؤلاء الصقور سيناريو وارد هو اخراج ورقة بنكيران وترشيحه للأمانة العامة للحزب وهو ما يجب فهمه من  لعب ورقة المؤتمر الاستثنائي لإزاحة العثماني الذي هو ايضا جزءا من هذه اللعبة .واعتقد ان ورقة المؤتمر الاستثنائي هي رسالة غير مباشرة من العثماني والرميد والداودي والرباح واعمارة الى من يهمهم الامر مفادها تفاوضوا معنا ولا تفرضوا علينا ، شاركونا في كيفية صناعة الخريطة السياسية لما بعد 2021 ولا تقصونا فنحن أيضا مستهدفين من الجناح المتطرف داخل البيجيدي.

 بصفة عامة الدولة محتاجة الى حزب البيجيدي في ظل انهيار باقي الوسائط الحزبية وخائفة منه ان يعود لولاية ثالثة، ومحتاجة الى صقور الحزب الحاليين الرميد العثماني الرباح الداودي واعمارة لكنها خائفة من ان يتراجعوا ويتركوا بنكيران يعود للامانة ويحدث بلوكاجا جديدا ليس البلاد بحاجة اليه ،اما حزب العدالة والتنمية فهو بحاجة للدولة للحد من ما يسميه "ضغوطات وزارة الداخلية وأجهزتها" والحفاظ على علاقات طيبة مع القصر، لكنه خائف من ضغوطات أجهزة الداخلية ومن فرضية بلقنة الحزب من الداخل ،ومن تداعيات تقليص الترشح في كل الدوائرالانتخابية وعلى تماسكه الداخلي، وهذه العلاقات البراغماتية بين الدولة والبيجيدي هو ما قصدت به العشق الممنوع.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.