التجارة الخارجية: هل تتحول الأزمة إلى محرك للتنمية ؟

أدت الأزمة الصحية المرتبطة بكوفيد- 19 إلى حدوث تغييرات كبرى في نماذج التجارة العالمية، في ظل اضطراب للسلاسل اللوجيستيكية وضعف في الاستهلاك والإنتاج، غير أن هذا التغيير من الممكن أن يشكل، في بعض جوانبه، محفزا للتحول نحو تجارة أكثر ازدهارا. وفي المغرب، لم تكن هذه الأزمة بلا تأثير على أداء التجارة الخارجية، فقد أظهرت الإحصائيات الأخيرة لمكتب الصرف انخفاضا بنسبة 17 بالمائة إلى 140 مليار درهم بالنسبة للصادرات، وبنسبة 17,5 بالمائة إلى 240 مليار درهم بالنسبة للواردات بين شهري يناير ويوليوز 2020، وذلك بالمقارنة مع نفس الفترة من السنة الماضية.

وفضلا عن هذه الأرقام، طرحت الأزمة تحديات جديدة متعلقة أساسا بتحسين تنافسية التجارة الخارجية الوطنية، من خلال تجسيد درجة عالية من الاستباقية والتبصر، بكيفية تمكن من التدقيق في الفرص المتوفرة وتخطي التهديدات، وذلك بروح من الابتكار والعصرنة.

وفي هذا السياق، يعتبر المدير العام للشباك الوطني الوحيد لتبسيط مساطر التجارة الخارجية (بورتنيت)، جلال بنحيون، أن "جائحة كوفيد-19 استثنائية على عدد من المستويات، ولكن هذا لا يمنع من اعتبارها فرصة لاستخلاص الدروس، لاسيما في ما يرتبط بالدور المركزي للأنشطة الاقتصادية مثل اللوجيستيك، والتوزيع، والتجارة الخارجية". وأبرز السيد بنحيون، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، أنه منذ بداية هذه الأزمة الصحية، اعتمدت (بورتنيت) مقاربة استباقية في إطار مخططها لاستمرارية الأنشطة، بهدف "الأخذ بعين الاعتبار المعطيات الجديدة وكذا المخاطر والتهديدات التي تحوم حول الأنشطة".

وأكد أنه " بفضل نموذج للأعمال يرتكز على الثقة الجماعية ويقطع مع النماذج التقليدية، تواصل بورتنيت ومنظومتها مضاعفة المبادرات والابتكارات من أجل تسريع الذكاء الجماعي مع المساهمة في تعزيز قدرة الاستباق والتوقع لدى الفاعلين والإدارات في ما يخص تدفقات الاستيراد والتصدير". ويرى المتحدث أن "الأزمة التي نعيشها هي تجسيد حقيقي لما يستطيع العالم الرقمي توفيره لاقتصادنا ومجتمعنا. يتعلق الأمر بأكبر حملة نعيشها لإدارة التغيير ، في ما يتعلق بالاعتماد على الرقمنة". وأكد المدير العام ل(بورتنيت) أن الرقمنة توجد في صلب اهتمام هذه المؤسسة التي نجحت إلى حدود اليوم في تعميم أكثر من 120 خدمة رقمية لفائدة مجموعة من الفاعلين الاقتصاديين مع أزيد من 55 ألف مستعمل وتغطية وطنية لكافة نقط التجارة العابرة للحدود البحرية والجوية والبرية.

وأوضح السيد بنحيون أنه في إطار مقاربة تدريجية، عملت (بورتنيت) على تبسيط وتعزيز انسجام ونزع الطابع المادي عن جميع الإجراءات الإدارية وغير الإدارية المطلوبة للاستيراد والتصدير.

وفي نفس الدينامية، يضيف المسؤول، سرعت (بورتنيت) من وتيرة نزع الطابع المادي وتطوير المنتجات والخدمات الجديدة من خلال ربط 6 إدارات عمومية ببورتنيت وتسريع عدد من الأوراش الخاصة بالرقمنة وإطلاق خدمات جديدة، وذلك حتى خلال فترة الحجر الصحي، مشيرا إلى أن الأمر يتعلق على الخصوص بمجموعة من الوثائق الخاصة بالجمارك والأداء الالكتروني ...

وبالرغم من ذلك، أكد السيد بنحيون أن "العالم الرقمي لا يزال يعاني حتى الآن من نقص في الاستغلال رغم المؤهلات التي يقدمها لنموذجنا التنموي الاقتصادي والاجتماعي". وقال إنه يتعين وضع التكنولوجيا والرقمنة في صلب الاهتمام في كافة الصناعات، لاسيما القطاعات العمومية، واللوجيستيكية والأبناك والتجارة إجمالا. واستند في ذلك إلى كون العالم الرقمي والتكنولوجيات يمكن أن تشكل، في حال التمكن منها بشكل جيد، "الميزة التنافسية الأسمى للتميز والتفوق، لاسيما في السياق الحالي".

وأضاف " بل الأكثر من ذلك، فإن الرقمنة المقرونة بالابتكار كالبيانات الضخمة والتعلم الآلي.. بإمكانها الاضطلاع بدور محوري لتعزيز منظوماتنا الاستباقية ولتمكيننا من تنسيق مخططات الاستجابة الخاصة بنا بشكل أفضل، عبر تقوية قدراتنا على الاستباق، وتفسير الإشارات الخارجية".

وإذا كانت هذه الإشارات قادرة على تشكيل إنذارات بخصوص تهديدات في بعض الحالات، فإنها قد تمثل أيضا، في حالات أخرى، مجموعة هائلة من الفرص التي يتعين استثمارها بهدف تحسين جاذبية التجارة الخارجية، وتعزيز العرض الخاص بالتصدير والمحافظة على فرص الشغل.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.