ساحة الفنا .. وكأن الحياة لم تكن هناك يوما ما

محمد الزعراط

وكأنك تشاهد أرضا لم تكن الحياة فيها يوما ما، صمت واضح على جنباتها كوضوح الشمس في النهار و القمر في الليل، تعيش ساحة جامع الفنا، قلب مراكش الحمراء وأكثر أماكنها زيارة؛ أجواء رمضان على غير المعتاد، تمني كل يوم النفس في استرجاع مظاهر الحياة باستقبال زوارها وفنانيها من جديد.

يحكي التاريخ أن الحياة لم تتوقف منذ مدة طويلة في ساحة جامع الفنا، أو كما يحلو للكثيرين أن يسميها بالقلب النابض للمدينة الحمراء. إلا أن تفشي فيروس كورونا المستجد ببلادنا أثر بشكل كبير على نبضها، وجعلها تفقد زوارها وسياحها وفنانيها من كناويين وغيوانيين وحكواتيين ومروضي الثعابين والقردة.
ولحق بهم أصحاب مطاهم الهواء الطلق، وبائعي العصائر والفواكه الجافة والحلزون، وغيرهم من الباعة المتجولين، الذين يساهمون، كل من موقعه، في إعطاء المكان رونقا خاصا يدفع الزائر لأن يفكر ويخطط للزيارة مرة أخرى.
كما امتثل لحالة الطوارئ الصحية مالكي البزاراة والتجار المتواجدين بأزقة المدينة القديمة، معبرين بذلك عن صدق وطنيتهم من أجل الخروج بأقل الأضرار الممكنة من أزمة كورونا.
وتعتبر ساحة جامع الفنا حسب منظمة اليونسكو تراثا عالميا وشفويا إنسانيا، إذ تعيش رمضانها هذا الموسم لم تشهد مثله من قبل، لغياب وجبة الإفطار الجماعية وصلاتي العشاء والتراويح بمسجد الكتبية وباحته.
ولحزن المشهد الذي آلت إليه ساحة جامع الفنا تأسف الحكواتي المشهور ب"الأزلية" السيد عبد الرحيم مكوري. حيث أكد في تصريحه لوكالة المغرب العربي للأنباء أنه لم يشهد في حياته على وضعية وظروف كان لها الأثر البليغ على الساحة. إذ اعتبر أن شهرته لم تكن لتبلغ الآفاق وتخترق الحدود الوطنية لولا ساحة جامع الفنا.
ويضيف الحكواتي القول بأنه حتى وإن توقفت مظاهر الحياة في ساحة جامع الفنا، فإن التوقف لم يستمر طويلا، متذكرا بذلك إغلاق الساحة أبوابها ليومين من أجل احتضان مفاوضات اتفاق منظمة التجارة العالمية سنة 1994.
وأشار "الأزلية" بأن رمضان لم يكن في وقت من الأوقات استثناء للساحة، فهي كانت قبلة للزوار في الصباح كما في المساء، موضحا بأن بعض الحكواتيين يباشرون في إلقاء قصصهم وحكاياتهم منذ الصباح، ليحل مكانهم آخرون ساعات قليلة قبل الإفطار. حيث أكد أن لكل فنان وحكواتي متتبعين ومحبين لا يخلفون مواعدهم، مما يجعلهم يبدعون في تنويع عروضهم بشكل يومي.
وإلى جانب الحكواتي، تجد "الحلاقي" مغنيي الغيوان و الثرات الشعبي، الذين يحظون باهتمام ومتابعة الجمهور لعوضهم الاستثنائية المتناسقة مع روحانية الشهر الفضيل.
وبالرغم من هذا الظرف الاستثنائي الذي يمر منه المغرب، إلا أن الحكواتيين لم يستكينوا أمامه، وعملوا على إتمام مشاريعهم الفنية وبثها عبر الوسائط الاجتماعية، لتقريب الجمهور أكثر فأكثر من الثراث الشعبي وتمكينهم من تتبع العروض من منازلهم. يقول الحكواتي عبد الرحيم مكوري.
وفي نفس السياق، أكدت الفنانة مريم أمل في تصريح لنفس الوكالة أن ساحة الفنا لا تفارقها أبدا، وأن حفلها يجذب كل ليلة مئات اللون الغيواني الذي توديه. مشيرة إلى أن البعد عن مكان يختزل ذكريات جمة تعود لعقود ليس بالأمر الهين.
وأضافت رئيسة جمعية فناني الحلقة أن هذه الأزمة أوضحت حجم الحاجة إلى إحداث مؤسسة، وتخصيص صندوق للفنانين، تقديرا على دورهم في تنشيط الساحة وصون تراثها وإعطائها ذاك الرونق الجمالي. إذ أكدت على أن هناك شريحة كبيرة من الفنانين الشعبيين تأثرت بتبعات أزمة كوفيد 19 السوسيو-إقتصادية.
ورغم الظرفية العصيبة، لا زالت ساحة الفنا صامدة، تمني النفس في استئناف صناعة تاريخها ومراكمة تراث البلاد، واستقبال زوارها ومعمريها.
وتعتبر مدينة مراكش إحدى أكبر واجهات المغرب السياحية، وعاصمته في عهد الموحدين والمرابطين، فتنت العرب والغرب بجمالها ومآثرها الساحرة، واستطاعت أن تجعل شخصيات عالية وأسماء كبيرة في مجالات الفن والسياسة والرياضة، يختارون الاستقرار بها.

صحافي متدرب

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.