جدل الساعة الصيفية : الأسئلة الغائبة ..

قبل أيام اجتمعت الحكومة على عجل في إطار “مجلس حكومي” واتفقت على مرسوم الإبقــاء على التوقيت الصيفي، وبنفس الاستعجال تم نشر المرسوم بالجريدة الرسمية  ليدخل إلى حيز التنفيذ في وقت كان فيه الكل يترقب إعادة عقارب الساعة إلى التوقيت العالمي صبيحة الأحد 28/10/2018 ، وبما أن قرارات “آخر ساعة” عادة ما تكون فاقدة للرؤية، فقد أثار القرار”الفجائي” ولا زال يثير سيلا من الانتقادات والاحتجاجات المتعددة المستويات، والحكومة سيسجل لها التاريخ ليس فقط أنها أقرت “مرسوما” بشكل أحادي الجانب دون استحضار وجهة نظر”الشعب”، بل لأنها قامت بتنزيل أسرع “مرسوم” في تاريخ التشريع المغربي، وهذه “الحيوية الحكومية”تفتح جبهة تسمح ببسط مجموعة من الأسئلة العريضة منها على سبيل المثال لا الحصر:

 

-لماذا لم تجتمع الحكومة على عجل في سبيل إنجاح “الحوار الاجتماعي” من أجل امتصاص الغضب المستشري وسط فئات عريضة من الموظفين والأجراء تحقيقا لنوع من “السلم الاجتماعي” في ظل ارتفاع الأسعار و انتشار ثقافة اليأس وانسداد الأفق … و لماذا لا يحضر الحماس الحكومي لإيجاد مخرج لمأزق “التعاقد” الذي أضحى يهدد استقرار المدرسة العمومية يوما بعد يوم، في ظل تنامي موجات الاحتجاج (إضرابات، مسيرات، وقفات احتجاجية …) ويضرب عرض الحائط مشاريع “الرؤية الإستراتيجية للإصلاح” وأهداف ومقاصد “القانون الإطار لإصلاح منظومة التربية والتعليم والبحث العلمي” …

 

­­­-لماذا لم تتدخل الحكومة لوقف النزيف الذي تعيشه المدرسة العمومية في سياق الإقبال الجماعي للأطر والخبرات الإدارية والتربوية على “التقاعد النسبي” هروبا من واقع مدرسي تغيب فيه شروط التحفيز، مما يعد ضربة موجعة لمدرسة الجودة، ولماذا غاب الحماس الحكومي، لما استفحل العنف المدرسي في السنتين الأخيرتين وطال عددا من نساء ورجال التعليم، مما أساء لسمعة المدرسة العمومية وحط من كرامة “الأستاذ(ة)” الذي أصبح أرضا “بكرا” مستباحة لعدد من التلاميذ/المنحرفين، ولماذا لم تحضر “الحماسة” لرد الاعتبار للمدرسة العمومية التي سارت معظمها مجرد “بنايات إسمنتية” فاقدة للحياة، مكرسة للعنف والرتابة وتراجع القيم، والتفكير في الارتقاء بالمؤسسات التعليمية القائمة وبناء جيل جديد من المؤسسات، مشجعة على التعلمات وقادرة على إبراز الطاقات والمواهب والقدرات …

 

-لماذا لم تحضر الحيوية الحكومية في رصد وتتبع الطاقات والمواهب التي  تزخر بها المدارس العمومية، وتمكينها بما يلزم من دعم مادي ومعنوي خاصة لما يتعلق الأمر بالمشاركات الدولية التي من شأنها تشريف البلد ورفع العلم الوطني في المحافل الدولية، ويمكن إعطاء المثال بالإنجاز غير المسبوق الذي حققته التلميذة/ الطفلة “مريم أمجون” بطلة “تحدي القراءة العربي”  (نسخة 2018) ، والإنجاز الآخر الذي حققه بعض التلاميذ الذين تميزوا على الصعيد العالمي في المسابقة الدولية للحساب الذهني بتركيا، ومثل هؤلاء يفترض دعمهم في تنقلاتهم وٌسفرياتهم وإقاماتهم لأنهم يمثلون الوطن، بدل تركهم يركبون أمواج التحدي بناء على إمكانياتهم الذاتية وكفاح وتضحية أولياء أمورهــم، ولما يحققوا التميز خارج الوطن، يتم في الداخل – الركوب على “صهوة النجاح”- كمن يركب على “صهوة” الجواد من أجل التقاط صورة  للذكرى العابرة …

 

-لماذا  لم يحضر الحماس الحكومي في ملف الأطباء الذين أعلنوا الاستقالة الجماعية في وقت تعيش فيه المنظومة الصحية خصاصا مهولا في الأطباء والممرضين، مما ينعكس سلبا على تصنيفات المغرب في بعض المؤشرات الدولية ومنها “مؤشر التنمية البشرية”… ولماذا لم يحضر “الاستعجال” لما اشتدت حالة الاحتقان وتأججت الرغبات في الهجرة والهروب خارج الوطن، وأضحت سواحل الشمال قبلة لليائسين والمتذمرين من الشباب الذين علقوا كل أحلامهم وآمالهم على “الزورق الشبح” (الفونتوم) الذي كشف النقاب عن مأزق خطير في المواطنة، وصل إلى حد المطالبة الجماعية بالهجرة السرية والتهديد بالهروب وإسقاط الجنسية،مما أساء لسمعة الوطن …

 

-لماذا لم تحضر الحماسة الحكومية من أجل الإنخراط الإيجابي في بلورة “نموذج المشروع التنموي المرتقب” ومحاربة الفساد المستشري في المجتمع كما يستشري الفيروس القاتل في الجسد المنهك، والتخفيف من حدة الفقر خاصة في الجبال والمناطق النائية التي تعاني في صمت في كل شتاء واستئصال شوكة مدن الصفيح والأحياء العشوائية ، والارتقاء بالمدن و محاربة الجريمة بكل أشكالها …

 

أسئلة وأخرى لا يسع المجال لبسطها، تفرض على الحكومة احترام “الإرادة الشعبية”  في كل ما تصدر من قرارات وبرامج  وتشريعات، وأن تتحلى بنفس الحماس الذي أقرت به “الساعة الصيفية” طيلة السنة، في التعامل مع قضايا وانتظارات المجتمــع. أما بالنسبة للمجتمع، فلا مناص من القول أن احتجاجاته مشروعة من منطلق أن القرار المتخذ فرض عليه دون إشراك أو استشارة، مما شكل ضربا للديمقراطية التشاركية واستخفافا بميولات ومواقف الشعب، لكن في نفس الآن وبالقدر الذي نتفاعل فيه إيجابا مع ردود الأفعال المجتمعية، لابد من الإقرار أن المشكل ليس في الساعة، فنقصان ساعة أو إضافتها لن يغير من واقع الحال ولن يحجب شمس الحقيقة بالغربال، أخدا بعين الاعتبار عددا من القضايا الكبرى التي تشغل بال عموم المواطنين والمواطنات في التشغيل والتعليم والصحة وغيرها، وكما تم التساؤل عن “الحماس الحكومي” يمكن أيضا أن نسائل”الحماس الشعبي” الذي رافق ويرافق هذه الساعة التي لازالت تحرك “ناعورة” الجدل والنقاش والاحتجاج،مما عمق ويعمق هوة الاحتقان المجتمعي، ويمكن أن نتساءل في هذا الصدد :

 

-لماذا لم تحضر الحماسة المجتمعية لما أقرت الحكومة  “إصلاح التقاعد” على حساب آلاف الموظفين الذين فرض عليهم تحمل وزر أزمة صندوق التقاعد الذي أوصلوه إلى “حافة الإفلاس” (الرفع من قيمة المساهمات، رفع سن التقاعد إلى 63 سنة)…ولماذا يغيب الحماس المجتمعي للتنديد بمهزلة “الحوار الاجتماعي” الذي سار “عبثا” سياسيا أشبه بمسرحية مسترسلة بين “الحكومة” و”النقابات”، مما يساهم في تقوية أحاسيس الحقد واليأس وفقدان الثقة في الممارسة السياسية والنقابية …

 

– لماذا تغيب الحماسة المجتمعية في التعامل مع المشهد الصحي الذي يعاني جملة من المشاكل والصعوبات من قبيل غياب التأطير الطبي(أطباء، ممرضون) ومحدودية التجهيزات الطبية وضعف الخدمات في المستشفيات العمومية خاصة في مصالح المستعجلات … ولماذا تغيب الحيوية في المشاكل التي تعاني منها منظومة التربية والتكوين (عنف مدرسي، مأزق التعاقد …) …ولماذا يغيب الجدل والنقاش المجتمعي في ظل تنامي الجريمة التي استفحلت في السنوات الأخيرة، بشكل يقوي الإحساس بانعدام الأمن يوما بعد بوم …ولماذا يغيب صوت المجتمع  على المستوى المحلي  من خلال تتبع عمل المجالس المنتخبة ومراقبة تدبيرها للشأن المحلي والضغط عليها للارتقاء بالمدن التي سارت فاقدة للجاذبية والإشعاع …

 

وعليه وتأسيسا على ماسبق، يمكن القول أن “الساعة الإضافية” فرضت على الشعب دون احترام “الإرادة الشعبية” ودون تقدير تداعياتها على المعيش اليومي للمواطن وخاصة على “الزمن المدرسي” الذي سيدخل في دوامة من “اللخبطة”و”الارتجال” والمزيد من الأعباء والمتاعب للأساتذة والإداريين والتلاميذ على حد ســواء، وما رافقها ويرافقها من جدل ونقاش على جميع المستويات هو مؤشر إيجابي على تنامي”الوعي المجتمعي”، لكن “الساعة” في حد ذاتها لا يمكن أن تحجب الرؤية عن القضايا الراهنة التي تهم المجتمع من قبيل مشروعي قانون “الخدمة العسكرية”و”القانون الإطار لإصلاح منظومة التربية والتعليم والبحث العلمي” الذين يتواجدان في مرحلة المناقشة على مستوى البرلمان قبل إقرارهما، و”الحوار الاجتماعي” الذي سار” حلبة” لاستعراض العضلات بين الحكومة والنقابات دون استحضار لمصلحة آلاف الموظفين والأجراء الذين يتطلعون إلى اتفاق في مصلحة الطبقة الشغيلة يضمن السلم الاجتماعي في زمن اتسعت فيه دائرة الاحتقان واليأس والتذمر ، وملف” التعاقد” الذي سار يهدد استقرار ومستقبل المدرسة العمومية، و”مشروع النموذج التنموي المرتقب”و”ارتفاع الأسعار”… قضايا وأخرى لابد للمجتمع أن يهتم بها بنفس الحماس الذي أشعلته “الساعة الصيفية” ويتفاعل معها في إطار ما تمليه واجبات المواطنة وما يتيحه القانون من آليات تسمح بالدفاع عن الحقوق والمكتسبات .. على أمل أن تتوقف “ناعورة الجدل والاحتجاج” ، وتتحرك “عقارب”الحكومة من أجل تحريك ساعة الإصلاح الحقيقي القادر على حل المشكلات الراهنة و الاستجابة لتطلعات وانتظارات عموم المواطنين والمواطنات في “الصحة”و”التشغيل” و”التعليم” والانخراط الجدي في محاربة المفسدين والعابثين بمصالح الوطن، والتعجيل بإيقاف “عبث” الحوار الاجتماعي والتوصل إلى اتفاق جدي مع باقي الفرقاء الاجتماعيين والاقتصاديين لفائدة الطبقة الشغيلة، على الأقل من أجل تجاوز”كبوة” الساعة الصيفية والتخفيف من حدة جدلها،في مجتمع يعيش على وقع الاحتقان .

 

 

-كاتب رأي، أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي، باحث في القانون وقضايا التربية والتكوين.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي بلبريس

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.