الورشة الاقتصادية بالمنامة ما هي وما أهدافها؟

أجواء ما قبل الورشة الاقتصادية

اثير الكثير من اللغط حول ما يعرف بصفقة القرن و التي هي في الحقيقة خطة أمريكية لإحلال السلام بالشرق الأوسط بإشراف صهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنير و التي عصر من اجلها ادمغة المخططين الاستراتيجيين الأمريكيين بالبيت الأبيض لاقتراح بديل عن خطط السلام السابقة و الفاشلة، انطلاقا بكامب دايفيد الى أوسلو، وان كانت الولايات المتحدة قد أعلنت الوان هذه الخطة عبر تسريبات لمواقف دبلوماسية غير معهودة و غير مسبوقة، هذه المواقف التي جاءت مرتبة بحكم أهميتها الاستراتيجية، بدءا بالقدس مرورا بوكالة الاونروا وصولا الى هضبات الجولان المحتلة.

منذ اعلان هذه الورشة، سالت الأقلام وديان مداد اسود سواد غضب الشعوب العربية و الفلسطينية على مآل القضية الفلسطينية ووقفت السلطة الوطنية الفلسطينية موقف المقاطع لكل المبادرات الامريكية جملة و تفصيلا، و قد غاب في كل التصريحات الامريكية أي تلميح لحل الدولتين بل كان الاصطفاف الى المواقف والسياسات الإسرائيلية اكثر قوة من بعض الأحزاب الإسرائيلية نفسها، الى هذا صار الفلسطينيون يحسون بفراغ الصف العربي وانتقال بعض الدول ممن كانت حليفا وداعما بالأمس الى مناور و مراوغ اليوم يسلك سبل التطبيع بهدوء و على حساب كثير من التاريخ النضالي المشترك، سوآءا على معترك حروب المقاومة الفلسطينية و العربية او في معترك الأمم المتحدة ومجلس الامن لإدانة الكيان الصهيوني.

في كل ارجاء العالم قام الفلسطينيون و الشعوب العربية في اطار مسيرات احتجاجية و أنشطة ووقفات بإدانة تنظيم ورشة المنامة، و استغرب الكثير سبب عقدها ببلد عربي وحضور دول عربية بعينها و ان كان بعض المتخصصين يصنفها عل انها بلدان سنية و هو نعت ضمني بصبغة طائفية و عقائدية كقاعدة تحمل الورشة وهنا نعود لحجر الزاوية و هو السعودية و الامارات كقوى إقليمية تحاول فرض الهيمنة و التوسع الاستراتيجي كأوراق لا بد منها في المنطقة لخلق التوازن و التحكم في مجريات الأمور، وهو تحول جيو استراتيجي بالغ الأهمية اذا ما وضعنا الفزاعة الإيرانية في الجهة المقابلة لنفهم سبب عودة مضيق هرمز كمحور استراتيجي يذكرنا بحرب السفن الإيرانية العراقية ثم الإيرانية الإماراتية و كيف غرقت الولايات المتحدة في هذا المضيق و صار الخليج العربي / الفارسي صفيحا ساخنا تضبط نيرانه المصالح الامريكية بالمنطقة ومدى وفاء حلفاءها لإيقاعها.

ورش المنامة الاقتصادية كانت الى الامس القريب لغزا حير المتتبعين، ليس بسبب اختيار المكان، فالولايات المتحدة اذا عزمت على اقامة نشاط ما فغالبا ما تجد الحليف المناسب لذلك كيفما كان، شأن روسيا أيضا و التي صارت تستغل استانا لمناقشة الوضع السوري و الرباعية الدولية حول الشرق الأوسط بمفاوضات مدريد و أوسلو، لكن ما جعل هذه الورشة لغزا هو كون صهر ترامب قفز الى طائرته بين الرباط و عمان و القاهرة، منطلقا من المغرب بلقاء الملك محمد السادس حول مائدة الإفطار بعد يوم من الصيام ليقوم في اليوم الموالي بزيارة قبر الحاخام حاييم بنتو بمقبرة الدارالبيضاء و يعلن تحقيق امنية حياته، ليربط من الدارالبيضاء ضمنيا جولته بأخذ البركة من يهود المغرب و الذين لا يخفون ولاءهم للمملكة قبل إسرائيل، ليبرز دور المغرب من جديد بعد عقود من التهميش الأمريكي المقصود بسبب موقف المملكة من السياسات الإسرائيلية منذ صعود نتانياهو الى حكم تل ابيب و دكه للمطار الذي بناه المغرب في غزه بغارات طائراته، مكتفيا بدعم الشعب الفلسطيني و مساندته على كل الأصعدة.

محطة المغرب اثارت اهتمام المتتبعين بعد ربطها بمحطة الأردن ومواقف العاهل الأردني من مسألة القدس وإعلانه عن موقف شجاع بالفداء في سبيل الحفاظ على العهدة المقدسية، وكان الملك الأردني قد اعترف بوجود ضغوط لتليين موقفه من القدس والقبول بالوضعية بحل مستقبلي ضمن خارطة طريق مستقبلية تندرج في اطار ما يعرف بصفقة القرن.

تفاصيل ورشة المنامة

انتظر كل المتتبعين لبصيص ضوء حول هذه الورشة الاقتصادية لعلهم يفهمون توجهات الإدارة الامريكية في ما يخص صفقة القرن الغامضة، و كل ما تم تداوله هو أسماء الدول المشاركة و التي في ردهة انتظار التأكيد، اما التي قاطعت فقد أعلنت ذلك صراحة من اليوم الأول و حتى قبل اقلاع طائرة جاريد كوشنير، فالسلطة الوطنية الفلسطينية تبنت موقفا جذريا من كل خطط و مبادرات الإدارة الامريكية في عهد ترامب، و التي اعتبرتها غير ذي مصداقية و بالتالي صارت وساطتها و احتضانها لعملية السلام بالشرق الأوسط اشبه بسلوك فرض الامر الواقع والدفع بالفلسطينيين الى الزاوية لإرغامهم على  التفاوض من اجل التسليم بحكم تل أبيب.

يومين قبل الورشة وتحت ضغط عالمي، افرج البيت الأبيض على الخطة الاقتصادية و التي اسماها "من السلام الى الرفاهية: الخطة الاقتصادية: رؤية جديدة للشعب الفلسطيني" و هي خطة تقع في 40 صفحة، تتخللها صور لفلسطينيين التقطت اثناء ممارستهم لحياتهم اليومية و كأنها توحي بكونهم تحت ازمة اقتصادية و ليس احتلال عسكري ممول من طرف أموال ضرائب الشعب الأمريكي و تبرعات اليهود عبر العالم.

الخطة والتي تضم على غلافها ختم الولايات المتحدة وكلمة "سلام" مقسمة الى جزئين أولهما حرفان ينتهيان بشعار النسر الأمريكي وهي تعني "أمريكا" ليكون الحرف الأول من الكلمة هو تتمة الجزء المتبقي من الكلمة، وبغض النظر على ان هذا التركيب يغطي سماء مدينة رام الله مقر السلطة الوطنية الفلسطينية وقد قسمت الخطة الى مبادرات ثلاثة:

• إطلاق العنان للقدرات الاقتصادية

• تقوية الشعب الفلسطيني

• تطوير الحكامة الفلسطينية

تبدأ الخطة بتوطئة تقر بكون الفلسطينيين لم ينعموا بالسلام وان استمرار حالهم يجب ان ينبلج على مستقبل أفضل لهم ولأطفالهم عبر تفعيل المبادرات الثلاث السابقة.

1- المبادرة الأولى: إطلاق العنان للقدرات الاقتصادية

هذه المبادرة تعنى بتطوير حقوق الملكية، قانون العقود ودور القانون، إقامة ضوابط لمكافحة الفساد، سوق لرؤوس الأموال، تنشئة هيكل ضريبي وتخفيض للأسعار والرسوم عبر تخفيض الحواجز التجارية.

هذه المبادرة تستشرف سياسة إصلاحية تتزاوج واستثمارات بنيوية استراتيجية تمكن من تعزيز مناخ الاعمال وتشجيع نمو القطاع الخاص.

من خلال هذه المبادرة سيتم تأمين التزويد الطاقي لكل من المستشفيات والمدارس، بالإضافة الى الاشر و الشركات، و كذا الماء الصالح للشرب و الخدمات الرقمية، فملايين الدولارات التي ستكون محور الاستثمارات المقبلة ستفيض على مختلف القطاعات الاقتصادية الفلسطينية، اذ سيتمكن المقاولون من التوفر على رؤوس أموال و ستصبح أسواق الضفة الغربية وغزة مرتبطة بشركاء تجاريين حيويين كمصر، إسرائيل، الأردن و لبنان. فالنمو الاقتصادي المتحصل من هذه المبادرة ستمكن من القضاء على البطالة المرتفعة وتحويل قطاع غزة والضفة الغربية الى مركز للفرص.

ولتفعيل ذلك انقسمت هذه المبادرة الى مجموعة من البرامج:

▪ استراتيجية الإصلاح ببناء مؤسسات حيوية واعتماد سياسة إصلاحية لجلب الاستثمارات الخارجية على شاكلة ما قامت به كوريا الجنوبية، سنغافورة، تايوان واليابان وذلك بتطوير بنية تحتية صلبة وتشجيع التصدير، وهو برنامج يرسي دعائم اقتصاد فلسطيني قادر على خلق فرص استثمارية تؤهله لدخول اقتصاد السوق من أوسع ابوابه، دون اغفال دور مكافحة الفساد وتعزيز دور القانون وحماية الحقوق لضمان الشفافية وتكافؤ الفرص ومنح الثقة للاقتصاد الفلسطيني.

▪ الرأسمال البشري وذلك بتنمية قدراته على منوال ما قامت به السويد والمانيا من خلال تطوير الكفاءات العلمية ومنح تداريب وتسهيلات للقيادات من المجتمع المدني للاضطلاع بأدوار تكوينية في المجالات الاقتصادية والحقوقية، وإقامة مراكز تأهيل وتطوير الكفاءات المهنية والمهارات الحرفية حتى يتمكن الفلسطينيون من امتلاك أدوات تمكنهم من مسايرة ركب الاقتصاد والاستثمارات المتزايدة.

▪ المقاولة والابتكار وهي خطة تهدف الى جعلهما بالإضافة الى تنمية القطاع الخاص حجر الزاوية لاقتصاد نشط. خلق القيم الاقتصادية رسملة مكتسباتها في إطار نمو يمكنها من تحقيق النجاح فالقطاعات المجمعة والمتواجدة بالدول المجاورة غير قادرة على ادماج الفلسطينيين، لذل تقترح الخطة اشراك فلسطينيي العالم لتشجيع المقاولات الناشئة بربطها بمراكز الاعمال العالمية لجعلهم قادرين على تأسيس شركات ومقاولات كبيرة وناجحة.

▪ المقاولات الصغرى والمتوسطة وان كانت في حجمها المجهري أيضا هي من يستوعب جل الفلسطينيين فهي نسيج وجب تطوير قوانينه وضمان قدرته على الاستفادة من قروض التمويل وهو ما سيمكن من خلق مناصب شغل إضافية وتأسيس إطار تجاري جديد يمكنهم من الاستفادة من مزايا العولمة بدخول أسواق جديدة وامتلاك تقنيات متطورة.

المبادرة أيضا تتضمن شقا قطاعيا متعلقا ببناء بنية تحتية أساسية ترتكز على توفير الطاقة الكهربائية بالرفع من قدرتها وكفاءتها حتى تكون متاحة طوال الوقت على الأقل لمدة 16 ساعة بقطاع غزة، توفير الماء الصالح للشرب وبناء شبكة للصرف الصحي تقلل المخاطر الصحية المرتبطة بالمياه العادمة الغير معالجة والتي بهذه المبادرة ستمكن الفلسطينيين من الحصول على مياه تحيي مزارعهم وفلاحتهم. تتضمن المبادرة أيضا رقمنة الإدارة والمؤسسات المالية بتوفير تغطية أولية من الجيل الرابع في افق تطويرها للجيل الخامس مما يمكن من تغطية قطاع غزة والضفة الغربية وتوفير الانترنيت.

تطوير القطاع الخاص و تعزيز قدراته الاقتصادية محور شق اخر يجعل السياحة احد ميزات الأراضي المحتلة باعتبارها احد الاندر الأماكن التي بها معالم دينية تاريخية، و بوجود البحر الأبيض المتوسط فالخطة تتخيل مدن الضفة كمدن بيروت، هونغ كونغ، لشبونة، ريو دي جانيرو سنغافورة و تل ابيب، الى جانب تشجيع تسويق المطبخ الفلسطيني كمثلجات رام الله و كنافة نابلس، كما ستدعم المبادرة بناء الفنادق و الوحدات السياحية و الدفع بالعلامات الكبرى الى تشجيع و تسويق وجهة الأراضي المحتلة و هو ما سيجلب الالاف من السياح سنويا ويحقق نمو قطاعات عديدة و يجلب عملة صعبة. تطوير القطاع الخاص أيضا هو تطوير الفلاحة بمنح تمويل لتطوير الزراعة وادخال المكننة والتكنولوجيا الحديثة، السقي بالتنقيط والبيوت المغطاة، مراكز ومعاهد مهنية للتكوين في المهن الزراعية والبيطرية حتى يتمكن الفلسطينيون من خلق قيمة مضافة تحقق نموهم وتفيد عائلاتهم وهو ما سينعكس إيجابا أيضا على تمكين الفلسطينيين من امتلاك منازل وسكن لائق بهم وأيضا عبر تخفيض نسب فائدة القروض البنكية وتوفير عروض معقولة تنمي بفعل ذلك قطاع العقار والكراء لتشجيع الاستثمار وتوطين المقاولات وبالتالي خلق فرص شغل جديدة.

تطوير القطاع الخاص أيضا يساهم في تشجيع الصناعات اليدوية والحرف التقليدية كالنحت على خشب الزيتون والذي لطالما لم يستجب كفاية لطلب ممتد لمئات السنين، وبهذه المبادرة ستتمكن الدولة منن بناء مناطق حرفية ومرافق كما ستنهج سياسية تشجيعية عبر تقليص الضرائب وتسهيل إقامة مشاريع مشتركة مع دول الجوار لخلق شراكات تمكن الفلسطينيين من ملئ رفوف العالم بمنتجاتهم التقليدية.

المبادرة أيضا تتحدث عن الثروات الطبيعية الفلسطينية، بتمكين السلطة من حفر مناجم وابار لاستخراج النفط والغاز وتوفير الإمكانات اللازمة لتطوير احتياطياتها الغازية البحرية عبر مساعدات تقنية وخبرات دولية، ليتم بناء شبكات غاز مشتركة وانابيب ممتدة على السواحل مما يجعلها كفيلة بإنعاش خزائن الفلسطينيين بالعملة الصعبة وخلق مناصب شغل كثيرة.

المبادرة الأولى تقف عند التنمية الإقليمية والاندماج بتحقيق استقرار اقتصادي كفيل بمواكبة الاستقرار الاقتصادي لدول الجوار كمصر والأردن ولبنان يمكنها من مواجهة التحديات والتغلب على الصعاب التنموية وذلك بدعم تزويد مستقر للطاقة الكهربائية، استمرارية التزود بالماء، تشجيع القطاع الخاص، بناء مؤسسات مالية قوية وتطوير القطاع العام. فالاستثمارات المقترحة ستخفض احتمالية عدم الاستقرار وتخلق فرصا للرقع من الصادرات، الاستثمارات الأجنبية المباشرة وبناء شراكات قوية مع شركات موجودة بالمنطقة، هذه الأخيرة و التي استفادت من تنمية عضوية لقطاعها الخاص على غرار ما تم في بولندا في تسعينيات القرن الماضي و تونس و مصر بعد ثورات الربيع العربي سنة 2011، كما ان الخدمات العابرة للحدود كفيلة بخلق دينامية تنموية مندمجة تمكن من إيصال الخدمات لمن هم بحاجة اليها في اطار تعاون وثيق و تكامل بين حكومات المنطقة، و هو أيضا ما جعل من السياحة مشروعا لوجهة موحدة تجمع اهرامات مصر بمعالم البتراء و شواطئ لبنان مرورا بما تزخر به الضفة الغربية و قطاع غزة من إمكانات سياحية ستبرز اذا ما تم توفير التمويل و الخبرات القادرة على خلق تعاون بين هذه البلدان لبناء استراتيجية سياحية إقليمية منسجمة، تتضمن خطط استثمار مشتركة، حملات تسويقية وباقات سياحية إقليمية.

2- المبادرة الثانية: تقوية الشعب الفلسطيني

تعنى هذه المبادرة بتحرير قدرات الشعب الفلسطيني لتحقيق أهدافهم وطموحاتهم عبر برامج أربعة:

- الرفع من جودة النظام التعليمي لضمان مساوات جميع الفلسطينيين في الحق في التعليم الجيد اذ سيتم العمل على دعم وتدريب المربيين الفلسطينيين بتمكينهم من الاستفادة من الفرص التربوية والتعليمية التي تمكنهم من توفير تعليم مناسب للمناطق الجغرافية الغير مغطاة، كما سيتم العمل على اصلاح التعليم وإدخال الابتكار اليه بتمكينه من حوافز مالية لتشجيع تنميته وتكريس كفاءته ومساره حتى يصبح قطاع غزة والضفة الغربية مراكز تميز.

- برنامج ثان يعنى بتقوية القوة العاملة بخفض البطالة وتشجيع الحركية عبر توفير التداريب والاستشارات المهنية ومراكز التشغيل وتوفير الشروط والأدوات الضرورية، مما يمكن الشباب الفلسطيني من التوفر على كفاءات مهنية تؤهله لولوج سوق الشغل والقدرة على المنافسة في اقتصاد متكامل حتى يتمتعوا بكل المزايا التي توفرها الفرص المتاحة عبر هذه الرؤية.

- برنامج ثالث يمكن من تقديم موارد جديدة وتحفيزات لتطوير قطاع الرعاية الصحية الفلسطيني عبر الرفع من القدرات الاستيعابية للمستشفيات وتوفير الأدوات واللقاح والتجهيزات الضرورية لتقديم خدمات ذات جودة عالية تقلل من الحالات الاستعجالية، كما سيتم تقديم اعتمادات لتجويد خدمات ومعايير المرافق الصحية وتمكين المشتغلين بالقطاع من تكوينات وتدريبات تجعلهم قادرين على تنظيم حملات وقائية وتوعوية ضد الكثير من الامراض والمخاطر.

- البرنامج الرابع سيدعم البرامج التي تعنى بالرفع من جودة الحياة للشعب الفلسطيني، بالاستثمار في المؤسسات الثقافية، ودعم الفنانين والموسيقيين بتشجيع المرافق البلدية والفضاءات العمومية مما يمكن الأجيال القادمة على الخلق والابداع، كما يجعل غزة والضفة الغربية مراكز ثقافية وتفاعلية من اجل رفاهية الفلسطينيين.

3- المبادرة الثالثة: تطوير الحكامة الفلسطينية

تهدف هذه المبادرة الى تشجيع القطاع العام على تقديم خدمات وإدارة شؤون الفلسطينيين بما يمكنهم من تحقيق مستقبل أفضل، فاذا حققت الحكومة قدراتها في الاستثمار في شعبها عبر تبني العناصر الأساسية المسطرة في هذه الخطة بشراكة مع القطاع العام حينها ستتحقق الرفاهية عبر هذه البرامج الثلاثة:

- البرنامج الأول: تحويل مناخ الاعمال وذلك عبر حقوق الملكية الخاصة، الحماية ضد الفساد، الولوج الى القروض، تشغيل أسواق الرأسمال بموازاة سياسيات تنموية و رقابية، وضوح الرؤية والثقة كعنصرين أساسيين بالنسبة للمستثمرين نتيجة النمو الاقتصادي، خلق مناصب الشغل في القطاع الخاص و الرفع من الصادرات و الاستثمارات الخارجية المباشرة، و هو ما  قامت به حكومات اليابان، كوريا الجنوبية و سنغافورة حين واجهت مجتمعاتها تحديات صعبة في أوقات حرجة من تاريخ مسارها، وهو برنامج يحدد بدقة المتطلبات التي يحتاجها لتطوير رأسماله البشري، ابراز الابتكار، خلق و تطوير المقاولة الصغرى و المتوسطة، التمكن من جذب الشركات الدولية الكبرى.

- البرنامج الثاني: وهو بناء المؤسسات المتعلقة بالقطاع العام الفلسطيني، والرفع من تجاوب الحكومة مع انتظارات الساكنة، عبر الرفع من استقلالية القضاء وتنمية منظمات المجتمع المدني، فنظام قضائي محكم سيكون كفيلا بحماية وضمان حقوق الملكية للجميع. شفافية أكبر للعمل الحكومي سيعزز الثقة حتى بالنسبة للمستثمرين في كون احكام القضاء نزيهة، مما يقوي العقود المبرمة ويقوي الثقة ويجعل العملية الاستثمارية امنة.

- البرنامج الثالث: تجويد الخدمات المقدمة للمواطنين وبعدها في حياتهم، فنجاح القطاع الخاص متوقف على نظام جبائي مستقر و بمالية مستقلة تراعي ظروف الفئة العاملة، تقدم احسن الخدمات، فهذا البرنامج يهدف الى إزالة المتأخرات على القطاع العام، بإقرار نظام الموازنة و الخطط الجبائية للتحقيق تنمية جبائية مستدامة دون الحاجة لإثقال الميزانية او طلب المساعدات و الهبات، و يهدف هذا البرنامج لتطوير خدمات الإدارة بما يمكن الفلسطينيين من الولوج وطلب المعلومات بصفة مباشرة و دون معوقات،  و سيتم ذلك عبر برامج تداريب  و فرص مهنية تمكن المواطنين من رفع انتاجياتهم لمواكبة متطلبات الحكامة، الرقي في أعمالهم، بتكاليف رخيصة للمواطنين  و تحقق فعالية الخدمات المقدمة.

خلاصة

قراءة الخطة الامريكية تنقلك الى عالم مثالي و كأنك احد مديري الشركات الكبرى او رئيس دولة بأغلبية برلمانية مريحة، تجعلك قادرا على تحقيق كل سطورها بهدوء وتأن لتحقيق الأهداف المرجوة، و بإقحام دولة سنغافورة كنموذج يمكن الفلسطينيين من تحقيق احلامهم دغدغة للمشاعر و لعب على وتر حساس قديم، اذ يذكرنا بقولة الشهيد ياسر عرفات قبل تسميمه البطيء بتحويل قطاع غزة لسنغافورة البحر الابيض المتوسط، فكان ان أصبحت سجنا تقصفه مقاتلات إسرائيل من الجو و تدك ارضه بتفجير الانفاق  ناهيك عن حصار بحري و كأن قدر الفلسطينيين السجن أو التهجير.

من خلال الدول لمشاركة يتبين ان نفس الممولين خرجوا من رحم جامعة الدول العربية بعد ان وعدوا بتقديم الملايير ليقدموا صمتهم كمساهمة في تفقير الشعب الفلسطيني و تقتيله ليجتمعوا بربطة المعلم جاريد كوشنير المدلل ليقدم احلاما وردية ما تلبث إسرائيل تحولها كوابيس على رؤوس الفلسطينيين، فتتحول الرفاهية المنشودة الى جرائم أخرى تضاف للسجل الدموي لإسرائيل، فالنوايا المعلنة في الخطة هي نفسها ما كانت في المبادرة العربية و هي ما كان في اتفاق كامب ديفيد و اتفاق أوسلو و اتفاقيات متعددة كانت ما ان يجف حبرها حتى تنقلب عليها إسرائيل وكأنها تغير جوارب قدميها.

كيف سينسى الفلسطينيون اسراهم وشهداءهم ومعطوبيهم ومهجريهم، كيف سينام من يبيت في العراء حالما بهذه الرفاهية و هو من تم تهديم بيته و طرده من ارضه، فمسألة الشعب الفلسطيني و قضيتهم قضية مبادئ و حقوق تاريخية و ليس بحثا عن رفاهية، فلن تتمكن الدولارات من محو معاناة شعب قتل وشرد و ظلم لمجرد ان مهاجرين حملوا كتابا جعلوا سطوره جوازا لكل تجاوزاتهم.

 

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.