لماذا تتسع دائرة الرفض الشعبي لامتيازات البرلمانيين ؟

تزايدت خلال الفترة الأخيرة حدة الامتعاض و الغضب الشعبي ضد الامتيازات التي يستفيد منها أعضاء البرلمان لاسيما بعد تداول عدد من وسائل التواصل الاجتماعي استمرار بعض البرلمانيين في تقاضي التعويض البرلماني رغم انقطاعهم عن ممارسة مهامهم الانتدابية منذ انتخابهم. و من المؤكد أن تراكم هذا الغضب قد ساهم تدريجيا في تكوين رأي عام رافض للتعويضات و الامتيازات البرلمانية بل ساهم في تردي صورة البرلماني لدى الرأي العام.

التكلفة الحقيقية للامتيازات البرلمانية

بعيدا عن الاشاعات و المعلومات الخاطئة التي يروجها البعض حول هذه الامتيازات ، لا بد من التوضيح أن لكل برلمان عبر العالم نظام للامتيازات يختلف من دولة الى أخرى ، و أن البرلمان المغربي اختار نظاما يشبه الى حد ما النظام الفرنسي مع اختلافه معه في بعض التفاصيل. و بالفعل فإن كل عضو في  البرلمان بفرنسا يستفيد من مجموعة من الامتيازات أهمها التعويض البرلماني و قد أحدث بمقتضى القانون التنظيمي رقم 1210 – 58 بتاريخ 13/12/1958 و عرف عدة تعديلات آخرها كان سنة 2017 ، بمقتضاه يناهز مبلغ هذا التعويض 91 ، 7239 أورو شهريا أي ما يعادل 72500 درهم ، و لا يمكن الجمع بينه و بين أي تعويض آخر برسم أي صنف آخر من أصناف الانتداب الانتخابي . بالاضافة الى هذا التعويض يستفيد كل برلماني من النقل مجانا بالدرجة الاولى بالقطار و استفادة البعض من النقل مجانا عبر الطائرة ، كما يستفيد كل برلماني  من خدمات 3 مساعدين بتكلفة إجمالية سنوية مبلغها 115000 أورو ،. و بعد انتهاء مدة الانتداب يصرف لكل برلماني عند بلوغه 62 سنة معاشا مبلغه 665 أورو عن كل خمس سنوات مقابل اقتطاع نسبتــــــه 85 ،10 % من التعويض البرلماني. و مؤدى كل ذلك أن تكلفة كل برلماني تناهز 336000 أورو سنويا مع العلم أن عدد النواب بالجمعية الوطنية يحدد في 577 نائبا و أعضاء مجلس الشيوخ في 348 عضو ، و بسبب ارتفاع هذه التكلفة تعهد الرئيس الفرنسي ماكرون بتخفيض عدد البرلمانيين بنسبة 25%  . و على سبيل المقارنة يتقاضى البرلماني في بلجيكا 5440 أورو شهريا ، و البرلماني في الاردن 6000 دولار و في العراق 10 آلاف دولار مع امتيازات أخرى.

وعلى خلاف النظام الفرنسي تتجلى امتيازات البرلماني المغربي في الاستفادة من تعويض برلماني يستند تحديده على مجرد رسالة للوزير الأول صادرة في نهاية السبعينيات من القرن الماضي و ليس بقانون مما يبقى معه الأساس القانوني لهذا التعويض مبهما ، و قد استقر مبلغه منذ سنوات في 36 ألف درهم في الشهر لكل برلماني يقتطع منه مبلغ 2900 درهم برسم أداء واجبات الانخراط في نظام المعاشات و مبلغ 900 درهم برسم التأمين الصحي ، و لتحفيز البرلمانيين على الحضور أضيف في السنوات الأخيرة الى هذا التعويض إما النقل مجانا عبر القطار أو الاستفادة من تعبئة خاصة بالوقود يختلف مبلغها من برلماني الى آخر حسب المسافة بين دائرته الانتخابية و الرباط ( بمعدل 1000 درهم في الشهر تقريبا عن كل 100 كلم) ، أو النقل عبر الطائرة بالنسبة للبرلمانيين ممثلي المناطق البعيدة كما هو الشأن مثلا بالنسبة للأقاليم الجنوبية ، و بالاضافة الى ذلك تحمل إقامة البرلمانيين خارج دائرة 100 كلم من الرباط  و الراغبين في ذلك بفنادق من صنف 4 نجوم لمدة 3 ليالي على أكبر تقدير كل أسبوع . و بعد انتهاء مدة الانتداب البرلماني يستفيد كل برلماني من معاش بمعدل 1000 درهم عن كل سنة انتدابية ( أي 5000 درهم عن كل ولاية تشريعية مدتها 5 سنوات) و ذلك مقابل أداء اقتطاع شهري من التعويض البرلماني المذكور.

و لا شك أن الهدف من هذه التعويضات و الامتيازات المكلفة جدا لميزانية الدولة ، يكمن في فتح المجال أمام جميع شرائح المجتمع من أجل العضوية في البرلمان ، لكون العمل البرلماني بالمجان سيؤدي الى حصر ولوج البرلمان على الأثرياء فقط و هو ما من شأنه ضرب مبدأ التمثيل البرلماني المبني على تكافؤ الفرص ، غير أنه بسبب تكلفة هذه الامتيازات المرتفعة فإنها أصبحت موضوع انتقادات حادة من لدن الرأي العام في مختلف الدول .

لماذا تتسع دائرة الرفض الشعبي للتعويض البرلماني ؟

ساهمت عدة عوامل في اتساع دائرة الرفض الشعبي لهذه الامتيازات منها أساسا تفشي ظاهرة الغياب و انقطاع البعض غير المبرر عن مزاولة المهام البرلمانية بسبب الاقامة بالخارج أو الاقتصار على حضور جلسات افتتاح السنة التشريعية ، فضلا عن الاخلال بأخلاقيات العمل البرلماني في كثير من الحالات ، و هي كلها عوامل فجرت شرارة الغضب في صفوف الرأي العام و توطدت لديه القناعة بعدم استحقاق البرلمانيين لتلك التعويضات و الامتيازات . و الجميع يتتبع باستمرار حملات الانتقاد عبر مختلف وسائل الاعلام لاسيما وسائل التواصل الاجتماعي بل أصبح البرلماني محور وصلات فكاهية و مسرحية ساخرة تصوره شخصا انتهازيا يتقاضى تعويضات سمينة من المال العام دون القيام بأي مقابل. و تزداد هذه الصورة سوء بسبب تراكم  المهام الانتخابية  و ما يترتب عنه من تعويضات و امتيازات ، و هي ظاهرة تسيئ  كثيرا الى مصداقية الانتداب البرلماني مما أدى الى منعها بصرامة في أغلب البلدان الديمقراطية . و هي الظاهرة التي لازال يعاني منها البرلمان المغربي ، فمن المقلق أن حوالي ثلثي أعضاء مجلس النواب هم في نفس الوقت رؤساء للجماعات الترابية ، ففضلا عن صعوبة بل استحالة التوفيق بين ممارسة المهام البرلمانية و مهام تدبير الجماعات التي يترأسها هؤلاء مهما كانت إرادتهم لجسامة هذه المهام ، فإن الجمع بين المهام يؤدي الى  الجمع بين التعويضات و الامتيازات ، و على سبيل المثال لا الحصر فإن رؤساء ما يسمى بالمدن الكبرى كلهم حاليا أعضاء بمجلس النواب و منهم من يتولى مهام أخرى إما عضو بالمكتب أو رئيس لجنة دائمة ، و يترتب عن جمع هذه المهام تقاضي كل واحد منهم التعويض النيابي ( 36000 درهم) يضاف اليه مبلغ 30000 درهم برسم التعويض عن رئاسة مجلس المدينة و عند الاقتضاء 7000 درهم برسم التعويض عن مهام العضوية في المكتب أو رئاسة اللجنة ليكون مجموع التعويضات الشهرية بالتمام و الكمال 73000 درهم شهريا ، و هو مبلغ يفوق ما يتقاضاه رئيس الحكومة نفسه ، فضلا عن الامتيازات الأخرى ( سيارات ، وقود ، تلفون ، مأموريات بالخارج ...). و من المؤكد أن الجمع بين المهام و بين التعويضات أصبح مصدر قلق غير مطمئن ليس فقط بالنسبة لتكاليفه المالية و لكن كذلك بالنسبة لاحتكار المهام الانتخابية و الحد من إنتاج النخب و المس الخطير بتكافؤ الفرص .

فعندما تجتمع كل تلك العوامل يكون للغضب الشعبي ما يبرره ، غير أن الخطورة تكمن في تعميم هذا الغضب ضد جميع البرلمانيين ، و الحال أن عدد منهم يستحقون التقدير و الاحترام لقيامهم بمهامهم بكل انضباط و مسؤولية .

مداخل إصلاح نظام التعويضات و الامتيازات البرلمانية

من الثابت أن البرلمان مؤسسة تمثيلية لا يمكن لأي نظام ديمقراطي الاستغناء عنها ، و من المؤكد كذلك أنه لا يمكن ضمان الممارسة الديمقراطية بدون تكاليف و بالتالي لا يمكن تصور عمل برلماني بالمجان ، و لما كان من البديهي عدم مسايرة المطالب الداعية الى إغلاق البرلمان لتطرفها المفرط ، فإن مغرب ما بعد كورونا في حاجة الى برلمان قوي باختصاصاته و منتج و فعال بمكوناته ، و من أجل ذلك لا بد من إصلاح جذري يعيد الاعتبار الى البرلمان بما يكفل بناء جديد للثقة بينه و بين المواطنين ، و لن يتأت ذلك الا من خلال وضع آليات جديدة تقطع مع التسيب و الريع بما يكفل توفير الضمانات القانونية و الفعلية لفتح المجال لولوج هذه المؤسسة الدستورية الرفيعة أمام نخب لها من الكفاءة و الخبرة بما يكفي للاطلاع بالمهام البرلمانية بكيفية تستجيب لمتطلبات بناء مغرب المستقبل ، و لتحقيق ذلك لا بد من التصدي لكل مظاهر الريع السياسي و الحد من ظاهرة التمثيل الأسري و العائلي ( الزوج و الزوجة و الأبناء ) ، فضلا عن إلغاء كل أشكال الجمع بين المهام و الامتيازات الانتخابية .

أما فيما يتعلق بالتعويض البرلماني فلابد من مراجعة الأسس التي يستند عليها من خلال إصدار قانون يحدد شروط الاستفادة منه و كيفية احتسابه ، و من الأفضل التخلي عن اعتماد التجربة الفرنسية التي يعتبر معها هذا التعويض بمثابة أجر ، و العمل عوض ذلك  بنظام يربط الاستفادة من التعويض بالحضور الفعلي في الجلسات و المساهمة في أشغال اللجن و القيام بالمهام البرلمانية ، و بالمقابل إلغاء كل الامتيازات الأخرى.

مأزق معاشات البرلمانيين و مطالب الإلغاء...

يواجه نظام معاشات البرلمانيين بالإضافة إلى نظام معاشات الوزراء حملة واسعة من الانتقادات و المطالب الشعبية بإلغائهما من خلال اتساع دائرة هذه المطالب عبر مختلف وسائل الاعلام أو من خلال تعبئة البعض لتوقيع العرائض بخصوصهما. و لئن كان نظام معاشات الوزراء يختلف في فلسفته عن نظام معاشات البرلمانيين كونه يؤدي الى صرف معاشات للوزراء المنتهية مهامهم دون تحملهم لتكاليف تمويله مما تكون معالجته بدون شك مختلفة ، فإن نظام معاشات البرلمانيين كون تمويله يعتمد على إجبار البرلمانيين بأداء مساهمات مالية تقتطع من تعويضاتهم  ، فإن هذا النظام أصيب بالافلاس منذ أكتوبر 2016 بالنسبة للنواب إذ توقف نهائيا صرف معاشات ما يناهز 1000 نائب سابق ، و من المنتظر أن يعرف نظام معاشات مجلس المستشارين نفس الوضعية في بداية 2021 . و من المؤكد أن هذا المشكل أصبح مؤرقا ليس فقط لمجلس النواب و إنما كذلك بالنسبة للحكومة ، كون رئيس الحكومة عجز عن ضمان تنفيذ القانون المتعلق بهذا النظام رغم أنه يشكل جزء لا يتجزأ من المنظومة القانونية للمملكة المغربية مما أدى الى تعطيل سريانه لأكثر من أربع سنوات و هو ما يشكل سابقة جد مقلقة لما تنطوي عليه من مخاطر على التزام الدولة بتنفيذ القوانين. كما أن مجلس النواب فشل فشلا ذريعا في تسوية مشكل إفلاس هذا النظام على الرغم من محاولاته اليائسة دون أي جدوى بسبب التسييس المفرط للمشكل و المزايدات السياسوية مما جعله غير قادر على التوافق على حلول لمعالجة المشكل المطروح . فلا هو تمكن من المبادرة الى إصلاحه بكيفية تضمن له التوازن و الديمومة ، و لا هو تجرأ على إلغائه و إرجاع مبالغ المساهمات الى أصحابها من خلال تصفيته و إنهاء الجدل القائم حوله ، و هو المطلب الذي أصبح ينخرط  فيه بحماس كبير عدد لا يستهان به من البرلمانيين السابقين موازاة مع المطالب الشعبية .

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.