التضامن أثناء الأوبئة واجب وطني أم قيمة إنسانية

 واجهت المجتمعات و الحضارات على مر التاريخ البشري  العديد من الأوبئة الفتاكة والتي كان لها تداعيات كبيرة على حياة الأفراد و المجتمعات،و ظلت الشغل الشاغل للصحة العمومية ، لأنها تسبب تفككا اجتماعيا و اقتصاديا كبيرا ناهيك عن الخسائر في الأرواح ،حيث انتشرت في بعض المناطق و بعد ذلك انتقلت إلى  كل أرجاء العالم قبل أن تنحسر .

وقد أثّرت هذه الأزمات على الأفراد الذين عاشوا هذه التجارب الإنسانية الاستثنائية، إذ غيّرت جانبًا من اتجاهاتهم القِيمية، وأثارت لديهم العديد من الأسئلة الوجودية التي لا إجابات لها، بل وتركت في بعض الحالات تأثيرات على التركيبة النفسية لأجيال كاملة، والتي وإن استطاعت النجاة البدنية من الوباء، فإنها لم تتعافَ من آثاره النفسية والاجتماعية و الاقتصادية ،و يمكنها أن تعوق التنمية في المجتمعات الموبوءة.

وتظل هذه الأوبئة العالمية عالقة في الضمير الجمعي للمجتمعات ومكوِّنًا أساسيًّا لتاريخه، مثلما ترسخ وباء الطاعون،أو"الموت الأسود"، الجذري ،الكوليرا ، الانفلونزا، ايبولا...في تاريخ الدول و الحضارات. فخبرة الأوبئة مثلها مثل خبرة الحروب بالنسبة للمجتمعات، حيث تشهد تغيرات جذرية في نمط حياتها اليومية، وتتبدل ملامح الحياة، وتنتهي التجربة بخلق معانٍ وقيم وأفكار وأنماط مختلفة للحياة الإنسانية، و من أهم هذه القيم الإنسانية و العالمية أذكر "قيمة التضامن أثناء الأوبئة ، الكوارث او التهديدات ..."لمواجهة الوباء وآثاره الاجتماعية والاقتصادية والمالية السلبية على جميع المجتمعات وفق المبادئ الكونية التي تكرس الاحترام الكامل لحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا بدون شكل من أشكال التمييز والعنصرية أوكره الأجانب في التصدي للوباء كيفما كانوا و أينما وجدوا.كما لا يجب إغفال مسألة تبادل المعلومات والمعرفة العلمية فيما بين الدول و التعاون الدولي والتعددية لمقاومة الأوبئة والقضاء عليها بشكل  تضامني وتشاركي .

و مع ظهور هذا الوباء لأول مرة في  مدينة ووهان الصينية أواخر سنة 2019، كان من المنتظر والمتوقع تفشي هذا المرض بكافة دول العالم بما في ذلك المغرب في حالة عدم اتخاذ تدابير احترازية صارمة، وهو ما أوضحته منظمة الصحة العالمية من خلال تحذيراتها المتوالية، ولعل خير دليل على ذلك أن هذا الوباء لم يظهر بالمغرب إلا بتاريخ 2 مارس 2020، و هو ما حتم على السلطات العليا بالبلاد القيام بمجموعة من التدابير  الاستباقية والاحترازية من أجل محاربة تفشي هذا الوباء الذي لم يعد معترفا بالحدود الجغرافية أو السياسية للبلدان.

و على إثر ذلك قام عاهل البلاد بإعطاء تعليماته للحكومة قصد الإحداث الفوري لصندوق خاص لتدبير و مواجهة وباء فيروس كورونا،و ذلك طبقا لمقتضيات القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية ، و المادة 29 من قانون المالية للسنة المالية 2020 ، و المادة 25 من المرسوم 2.15.426 المتعلق بإعداد و تنفيذ قوانين المالية،بإحداث حساب مرصد لأمور خصوصية يحمل اسم "الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا "كوفيد19".

و في هذا السياق يبقى الرجوع إلى تفعيل مضامين  النصوص الدستورية الداعية  إلى تكريس القيم النبيلة للشعب المغربي و المتجسدة في روح التضامن المادي و المعنوي داخل بلدنا له وزنه باعتباره السبيل الوحيد  لمكافحة انتشار فيروس كورونا المستجد نظرا للظرفية الاستثنائية التي يمر بها العالم و بلدنا على وجه الخصوص و ذلك بكل روح المسوولية كل من موقعه حكومة و شعبا ، أفرادا و جماعات من خلال التعاون و التأزر بين السلطات و المواطنين بشكل تشاركي مع حرص المواطنين على التقيد و الامتثال للقرارات و التعليمات الصادرة عن السلطات الوصية  .

وبالرجوع إلى الوثيقة الدستورية لسنة2011  نجدها تنص في العديد من فصولها على مبدأ دستوري متعلق بالتضامن عند وقوع"  آفة أو كارثة أو تهديد... "، حيث يصبح التضامن و التعاون واجب وطني و إنساني و ليس عمل تطوعي أو خيري يستند على القانون الأسمى بالبلاد و القوانين  الداخلية والدولية ، وذلك كإجراءات استباقية و قبلية تتوخى تجنب الآفات و الكوارث أو التهديدات التي لم تكن متوقعة قبل وقوع الاسوء.

و من ثم فواجب التضامن بالمغرب  يبقى له أساس و قيمة دستورية  تنص عليه الوثيقة الدستورية و بعض القوانين الأخرى خاصة القوانين المتعلقة بالجماعات الترابية.

و بالعودة إلى نصوص الدستور المغربي لسنة 2011 نجده ينص على إرساء دعائم مجتمع مغربي  متضامن بين الأفراد و المؤسسات على الصعيد الوطني و الدولي  و هو ماورد في تصدير الدستور أربع مرات  بصفة صريحة. و ينص في الفصل 31 منه على  أنه " تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في العلاج والعناية الصحية؛ الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، والتضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة...". كما ينص الدستور بصفة ضمنية على قيمة أو مبدأ التضامن في الفصل 38  من الدستور على أنه "يُساهم كل المواطنات والمواطنين في الدفاع عن الوطن ووحدته الترابية تجاه أي عدوان أو تهديد." ثم الفصل 39 الذي ينص "على الجميع أن يتحمل، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية، التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها، وفق الإجراءات المنصوص عليها في هذا الدستور" . و ينص الفصل 40 و بصفة صريحة كما يلي :"على الجميع أن يتحمل، بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد."

كما تضمنت قوانين الجماعات الترابية العديد من المقتضيات التي تنص تصريحا أو تضمينا إلى مبدأ التضامن و ذلك استنادا على الباب التاسع من الدستور و خاصة الفصل 136 الذي ينص على أنه :"يرتكز التنظيم الجهوي والترابي على مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن؛ ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة." و كذا الفصل 142 الذي ينص على أنه "يُحدث لفترة معينة ولفائدة الجهات صندوق للتأهيل الاجتماعي، يهدف إلى سد العجز في مجالات التنمية البشرية، والبنيات التحتية الأساسية والتجهيزات. ُحدث أيضا صندوق للتضامن بين الجهات، بهدف التوزيع المتكافئ للموارد، قصد التقليص من التفاوتات بينها."

 و أخيرا الفصل 144 الذي ينص على أنه :"يمكن للجماعات الترابية تأسيس مجموعات فيما بينها، من أجل التعاضد في الوسائل والبرامج."

وهذا ما تم تفعيله تنفيذا لتعليمات ملك البلاد الداعية إلى توفير شروط تمويل الإجراءات الوقائية لمواجهة فيروس كورونا والحد من آثاره،حيث تم التوقيع على مرسوم إحداث حساب خصوصي بعنوان "الصندوق الخاص لتدبير ومواجهة وباء فيروس كورونا" و ذلك بهدف  تحمل تكاليف تأهيل الآليات و الوسائل الصحية ، سواء فيما يتعلق بتوفير البنية التحتية الملائمة والمعدات والوسائل الإضافية التي يتعين اقتناؤها بكل استعجال، و ذلك من أجل علاج الأشخاص المصابين بالفيروس في ظروف جيدة؛ ثم القرارات الداعمة  للاقتصاد الوطني لمواجهة تداعيات هذا الوباء من خلال التدابير التي ستقترحها لجنة اليقظة الاقتصادية ، وذلك للتخفيف من التداعيات على المستوى الاجتماعي أساسا، و التي لقيت استحسانا وطنيا و دوليا هذا بالإضافة إلى مجموعة من النصوص القانونية و التنظيمية و التدابير الاحترازية المسبقة  الصادرة في هذا الإطار و التي يجب على الجميع الانخراط الفعال في تنفيذها و التقيد بها و التفاعل الايجابي مع مضامينها بكل روح المسوولية لمواجهة تداعيات الوباء و الذي أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه يشكل "تهديدا للصحة العمومية"  أو" ذو طابع كارثي" يقتضي تظافر جهود الجميع من أفراد وهيئات و مؤسسات بشكل تضامني للتغلب على الوباء بكل روح وطنية و إنسانية تضع الصحة العمومية للإنسان فوق كل اعتبار.

د. رشيد اغزييل

 باحث في القانون العام و العلوم السياسية 

 

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تعليق 1
  1. إسماعيل أزروال يقول

    مقال يجسد روح التضامن بكل التفاصيل وهذا ما عهدناه في بلدنا الحبيب ملكا وشعبا