بين وهبي وموسي !

   ليس غريبا أن يدخل عبد اللطيف وهبي عضو المكتب السياسي بحزب "الأصالة والمعاصرة" في المعارضة البرلمانية ونائب رئيس مجلس النواب، إلى حلبة السباق للتنافس على قيادة الحزب خلفا ل"حكيم بنشماس"، خلال المؤتمر المزمع تنظيمه في بداية الأسبوع الثاني من شهر فبراير القادم، وفق ما أعلن عنه رسميا خلال ندوة صحفية عقدها صباح يوم الخميس 23 يناير 2020 بالمقر المركزي للحزب. مادام أن ترشحه يندرج في إطار حقوقه السياسية المشروعة التي يكفلها له النظام الداخلي، وليس مهما مدى حظوظه في الفوز على منافسيه المفترضين بمنصب الأمانة العامة.

      بيد أن المثير للاستغراب والمستفز لمشاعر الكثيرين، هو خروجه الإعلامي غير الموفق، الذي قام من خلاله بإقحام "إمارة المؤمنين" في حمأة التسابق على الزعامة، والتصريح بنيته في قطع خيوط الحزب بالمخزن، بدعوى ضمان استقلالية القرار السياسي، والسعي نحو تغيير مساره ونظرة الناس إليه، بما ينسجم مع قناعات مجموعة من قيادييه، مشددا على تحويله من حزب الدولة إلى نموذج نبيل، يساهم في الانتقال الديمقراطي وتعزيز انخراط البلاد في القرن الواحد والعشرين بصورة أفضل.

      وكان الأمر سيبدو طبيعيا لو أن صحوة المحامي والقيادي المثير للجدل حدثت في البدايات الأولى من نشأة الحزب ذي رمز "التراكتور"، الذي شكل نواته الأولى المستشار الملكي فؤاد علي الهمة، الوزير المنتدب بوزارة الداخلية سابقا تحت اسم "حركة لكل الديمقراطيين"، ولم يتم الإعلان عن تأسيس حزب "الأصالة والمعاصرة" إلا في شهر غشت 2008. وحسب مزاعم مؤسسيه، فإنه جاء للتموقع داخل المشهد الحزبي قصد رد الاعتبار للعمل السياسي بمعناه النبيل، والتصدي لتوظيف الدين في السياسة والحيلولة دون استمرار حزب "العدالة والتنمية" ذي المرجعية الإسلامية في التمدد والحد من تصاعد شعبيته، فضلا عن إرساء أسس سياسة القرب وكسب رهانات التنمية البشرية والتنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية وتلبية رغبة النخب الجديدة في اتجاه ترسيخ الفعل الديمقراطي الحداثي.

      أما أن يخالف رأي أعداد غفيرة من أعضاء الحزب الذين يرونه حزبا وطنيا كباقي الأحزاب السياسية، يعمل هو الآخر وفق شروط الشرعية والمشروعية، ويحترم الضوابط الدستورية والقانونية والسياسية والمؤسساتية، والسهر على تأطير المواطنين وتقاسم المسؤولية مع الدولة في خدمة الصالح العام، فذلك ما لم يستوعب أبعاده البعض.

      فكيف لمن ظل أزيد من عقد عضوا بارزا في المكتب السياسي لحزب حصل على المرتبة الثانية ب"102" مقعدا في الانتخابات التشريعية لشهر أكثوبر 2016، وترأس فريقه النيابي مرتين ومثله مرة واحدة داخل مكتب المجلس، ولم يكن يتوقف عن مهاجمة "الإسلاميين" رافضا اتهامهم للحزب ب"التحكم"، ويترافع عن مشروعه المجتمعي وتوجهاته السياسية في الحملات الانتخابية والمنابر الإعلامية، أن يأتي اليوم ويتنصل من كل مبادئ الحزب ويصرح علانية بأنه حزب يخضع لتوجيهات عليا، شأنه في ذلك شأن أحزاب مبارك وبنعلي، وأنه سيحرص مستقبلا على تصحيح الأخطاء التي ارتكبها سابقوه؟ أما كان حريا به التحلي بقليل من الجرأة للحديث عن الأسباب الكامنة خلف الصراعات المتواترة داخل الحزب منذ انسحاب زعيمه الأسبق إلياس العمري، والكشف عن سبل تجاوزها عوض الخوض في أمور لن تزيد الحزب إلا تشرذما؟ ولم لم يبادر إلى تقديم استقالته والبحث لنفسه عن تنظيم سياسي آخر؟ 

      وبما أن وهبي لا يريد للحزب أن يكون أقرب إلى نموذج حزب بنعلي، ومادام الشيء بالشيء يذكر، فقد قفزت إلى الذهن صورة الفاعلة السياسية التونسية عبير موسي، القيادية السابقة في الحزب التونسي الحاكم "التجمع الدستوري الديمقراطي"، التي لم تتنكر يوما لأدبياته وعارضت بشدة تفكيكه بعد سقوط نظام الرئيس الراحل بنعلي، واستمرت إلى الآن تناهض ما سمي ب"ثورة الياسمين"، معتبرة أن ما حدث في عام 2011 لا يرقى إلى مستوى الثورة لانعدام برامج حقيقية ورؤية واضحة.

      ف"موسي" خلافا ل"وهبي" وإن كانت مهنة المحاماة والعمل السياسي هما القاسم المشترك بينهما، بقيت وفية لمبادئها التجمعية التي على أساسها انخرطت في الحزب، لم ترضخ للابتزاز والترغيب والترهيب، ولا إلى كل ما تعرضت إليه من أشكال التضييق والاستفزاز في الشارع والمنابر الإعلامية، سواء من طرف خصوم حزب بنعلي وفي مقدمتهم حزب النهضة "الإسلامي" أو غيرهم، إذ مازالت متمسكة بأفكارها وتمارس خطابا قويا ضد من تسميهم ب"الخوانجية"، ولا تتهاون إطلاقا في الدفاع عن الفكر الديمقراطي المتنور والمعادي للقوى الظلامية والفكر المتطرف والهدام.

      وعبير موسي تعرف بقوة شخصيتها والاستماتة في الدفاع عن قناعاتها، مما جعلها تنضم إلى الحركة الدستورية التي أسسها رئيس وزراء تونس الأسبق حامد القروي، وفي سنة 2016 حولتها إلى حزبها الناشئ "الدستوري الحر"، الذي نال عطف عديد المواطنين الناقمين على الأحزاب التي أخلت بوعودها، واستطاع الحصول على 17 مقعدا بالبرلمان في أول استحقاق تشريعي له في أكتوبر 2019، وأصبح بشهادة التونسيين أنفسهم يشكل رقما أساسيا في المشهد السياسي، بفضل ما تتحلى به رئيسته من جرأة ونزاهة واستعداد دائم للمواجهة ورفع التحديات...

      إن المغاربة ليسوا بحاجة إلى مزيد من الخطب الشعبوية والنخب الانتهازية، ولا يهمهم الحديث عن نشأة بعض الأحزاب وتوجهاتها التي تظل حبرا على ورق، بقدر ما يهمهم من يهتم فعلا بمشاكلهم والترافع عن قضاياهم الأساسية من أجل الاستجابة لانتظاراتهم والنهوض بأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية المزرية، فلترحموهم من تطاحناتكم السياسوية وهرطقاتكم الخاوية.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.