"المغرب في الكتابات الأنجلوساكسونية : بُعد المقاربة وإشكالية التقريب"

تتابع  جريدة بلبريس انفتاحها على البحث الجامعي  عبر نشر بعض الاطروجات  والرسائل ،ومن بينها

اطروحة الطالب الباحث عادل المساتي التي نوقشت  يوم 04 فبراير 2019 بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال-الرباط بعنوان "المغرب في الكتابات الأنجلوساكسونية : بُعد المقاربة وإشكالية التقريب"، وبلجنة علمية  مشكلة : من الدكتور أحمد بوجداد مشرفا ورئيسا، والدكتور عبد الله ساعف والدكتورة أمينة المسعودي ، والدكتور عبد الحميد بنخطاب والدكتور حسن طارق أعضاء.

يُدارس البحث، في مقاربة مباشرة، باقة معتبرة من الكتابات الأكاديمية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الأنجلوساكسونية، الأمريكية والبريطانية بالأغلبية، التي تهم المغرب جوهريا والصادرة أساسا بعد خمسينيات القرن الماضي وإلى ما بعد "الربيع العربي". لمّا، مع الإثخان فيه ومزيد تبلور لإشكاله، أُدرك أن كذا كتابات لا تؤلف غير شطر من رسم أنجلوساكسوني أوسع، كان لزاما، لأغراض توسيع الصورة لاسيما من جهة الأجناس غير "الأكاديمية"، مفاتحة ومساءلة الكتابات المغربية ذات الصلة من شتى التخصصات. في نفس المسعى، يستقصي بعض تجليات التفاعل المغربي-الأنجلوساكسوني من خلال عرض ونقد أشغال منشورة للقاءات ثقافية ثنائية، مغربية-بريطانية ومغربية-أمريكية، انعقدت بالمغرب أو بالقطب الأنجلوساكسوني؛ ليدرك في الأخير، مع بروز مزيد مراجع لاسيما إثر إتاحة "مجموعة محمد أبو طالب" بالمكتبة الوطنية، أن تشميع كلمة أكثر حسما إزاء الإنتاج الأنجلوساكسوني عن المغرب لن تتأتى إلا من طريق دراسة وجرد بيبليوغرافيين. على أن البحث، من خلال مثل هذا التوسع في الإنتاج الأنجلوساكسوني، لا يتطلع، كما مجددا ودائما!، إلى متابعة سردية المغرب في "عيون" الغرب، بقدر ما يبتغي توسيع الأفق المغربي، بالإشارة إلى والنهل من، على صعيد موسع، نقلي وتحليلي وتفاعلي وبيبليوغرافي، كتابات كتبت بالإنجليزية.

رتبت هذه المواد في أربعة أبواب. يركز الباب الأول على ثلاثة محاور، سياسي واقتصادي وحضري. يرصد الأول جهود الملكية في إرساء قوتها السياسية منذ عودة محمد الخامس من المنفى. لم تقدر "النخبة المغربية" على رسم أو الاحتكام إلى قواعد معيارية تنظم مشكل السلطة والتداول عليها، الدستور؛ وبذلك ظل "المشكل السياسي" عصيا على الحل، و"النظام السياسي" تتهدده تحديات من كل نوع، من الضربة العسكرية إلى "البديل الإسلامي" إلى "الربيع العربي" إلى "السيبة"، في كل عقد وولاية. في المسار الاقتصادي، يبدو مجاز "الجزيرة الخضراء" لائقا للحالة المغربية. عدا فترة تململ يسيرة بعيد الاستقلال، كانت العودة سريعة وحاسمة نحو تبعية تذكّر بـ"عشية" الاستعمار، مع الفارق أن البلد "المستقل" (صار أو ظل) يسعى، "طواعية" وفي تبارٍ مع الجيران، نحو "مركز متقدم" ضمن أهداب الجزيرة، التي تسمى الآن "الاتحاد الأوروبي" أو تشعبت إلى "العولمة". تبعث المدينة المغربية صورا مختلفة، متضاربة. تلقت "الحداثة"، لكنها قذفت في وجهها سائر المكنونات وشتى الدفاعات، فتوزَّع الارتكاس بين التقليد والتكيف والتغيير.

يكف الباب الثاني عن الاتصال المباشر بالكتابات المعنية، الأنجلوساكسونية، أي الأمريكية والبريطانية باللغة الأمّ، ويفيد، لاستكمال الصورة الشمولية وتقيدا بمعطيات الرصيد المحلي في الموضوع ومتابعة لإشكالية التقريب، مما كتبه باحثون آخرون، مغاربة بالأساس. يرجع الفصل الأول بتفصيل إلى أعمال ثلاث رواد قاربوا هذه الكتابات (محمد أبو طالب، عبد المجيد بنجلون ومحمد العميري)؛ ويخوض الفصل الثاني في أبعاد وحدود الندوات الثلاث في الموضوع التي أمكن الحصول عليها أو حضور أشغالها؛ في شأن الرحلة يفرز الفصل الثالث بين إسهام الدراسات العربية والتاريخية والإنجليزية؛ في الأدب، فضلا عن تقريب، تربويّ، مبكّر من عبد المجيد بن جلون، يستوقف الفصل الرابع مطولا الجهد، الهائل لكن المُباعد أبدا، لخالد البكاوي؛ في الإناسة، يفيد الفصل الخامس من تقريب، جهيد بل شبه انفرادي، من أعفيف لديل إكلمان (ويقف عند لماذا كان لقاء الثنائي على النحو الذي كان)، ويستمد مختلف الدروس الممكنة من الحوارية، المحبذة عموما لكن المتباعدة بين "أشقاء" عرب، السعودي أبو بكر باقادر-المغربي حسن رشيق؛ في التاريخ، يقوم الجهد الأصولي لخالد بن الصغير، بتنوعه وتوسعه، دليلا استثنائيا على القدرة التي يمكن أن يُختزل بها عمل جماعي من طريق تكرّس (وتضحيات) فردية؛ صحافيا وعلى طريقة صُحفية فعلا، يوازى مثل هذا البذل من طرف يونس جنوحي (صحافي جريدة "الأخبار"، الذي صار فعلا، بنوع من حفريات، ذي ألفة متنامية مع الكتابات الأنجلوساكسونية لكن لا يزال عليه بذل الجهد بما يسهم في تطوير، وتحسين قراءات، القارئ العربي). نسائل أيضا وبالتالي نبرز حدود، من عيّنة من منشوراتها أو ثمار خريجّيها، إنتاج جامعة الأخوين، التي توصف، تغليطا، بأنها جامعة أنجلوساكسونية؛ في طور ما، سعى البحث، في شأن المترجمات ــ ولا يسعه أن يفهمها إلا من الإنجليزية، أو أية أعجمية أخرى، إلى اللسان العربي ــ إلى استقصاء شبه استنفادي؛ لكن الترجمة -بالمعنى الضيق للكلمة- ليست إلا الشق "الخشن" في إشكالية التقريب التي تتهجّسه.

يمكن احتساب الباب الثالث الذي يرصد اللقاء المغربي الانجلوساكسوني :خطابة التبادل و حقيقة التفاوت، فهو على الأقل طبعة عربية، نقدية، للمواد، الناطقة بالإنجليزية تقريبا بالمطلق، التي يستعرضها ويساجلها. إنه يخوض في اللقاءات الثقافية والعلمية الثنائية، المغربية-الأمريكية والمغربية-البريطانية، بالأساس من خلال المواد، غير الهيّنة شأنا وحجما، التي أتيحت جراء تخليد الذكرى المئوية الثانية في الأولى والمئوية الثامنة في الثانية، أو تلك التي توافرت من مناسبات "تبادلية" إن في المغرب أو في القطب الأنجلوساكسوني. إنه يُبرز، بأمثلة مُكثرة وحجج دامغة، أن خطاب "التبادل"، في اللقاءات المغربية-الأنجلوساكسونية، الرسمية ،بل ـفيما يشدد عليه- غير الرسمية بالبتة، بلاغةٌ خَطابية أو مناجاة أو مشورة منافقة أو صادقة. على أنه ينشغل أساسا، بهاجس إشكاليته، برصد الاختلال في نحو الكلام ولحن القول لدى المتحدثين والكتّاب من هذا البلد.

إثر ندرة أولية، مؤقتة متطاولة ميئّسة، طرأ التساؤل، لاسيما إثر انبثاق "مجموعة أبو طالب" بمآتها وألوفها، فيما إذا قد ينقلب البحث، لزوما إذا أراد أن يحافظ على قدر من طموحه الشمولي المزمع، إلى عمل بيبليوغرافي؟ مع بذل مزيد جهد بالموازاة مع اعتراض مزيد مراجع وبالتالي وجوب قطع مسافات متجددة، تبيّن أنّ لا يمكن نيل صورة موسعة وممتدة في الزمن ومتقاطعة ومركبة كفاية لا يتيحها الانكباب على مصادر أو أوراق بعينها عن مجمل الإنتاج الأنجلوساكسوني إلا من طريق جرد بيبليوغرافي موطأ بدراسة بيبليوغرافية ــ يمكن عدّها خاتمة لهذا البحث، بيبليوغرافي الطابع بدرجة كبيرة ــ، وطيها مقترح-مخطط لفهرسة وتأصيل ومقاربة وتقريب هذه الكتابات ينطلق من مزيد تنقيح لهذا الجرد ويبتغي تذويبها في لائحة المراجع المحلية.

لماذا كل هذا الإلحاح على التوسيع والتأصيل والتقريب؟ للقناعة التي تولدت إزاء الإضافة متعددة الجوانب التي تمد بها هذه الكتابات وأيضا لإزاحة كل مشاعر الغرابة والتواري والتباعد والجهل التي، جراء الاقتصار على فئة مقصورة ومخصوصة منها والحال أنها (بتقدير الجرد المرفق الجهيد لكن المدرك لتقصيره) ببضعة آلاف أو للمانع اللغوي أو حواجز أخرى، (التي) ظلت تصاحب النظرة إزاء الكتابات الأنجلوساكسوينة عن المغرب. إنه أيضا، بإخراجها من معقلها، المقصور أيضا، بالشعبة الإنجليزية وعموما من حقل الدراسات الأدبية أو من هوامش فرنكفونية أو من مجالات معربة تعتاش على الوساطة واللمسة الثانية، حيث يمكن الحديث بمشروعية أكبر عن نيلها جمهور القراء بهذا البلد. إنه بهذا حيث، مسترشدا بأبي طالب ومستكملا مشروع بن جلون ومعدّلا لخروج مدرسة العميري عن السطر، حيث يختلف بالمطلق عن "تقريب" المرحوم البردوزي أو ترحيل خالد البكاوي، مثلا..

قطعا لا يقصد البحث هذا الإنتاج دون تغرّض لكن أيضا، تقيدا بشروط علمية، ليس دون مراعاة إسهامه في تطوير البحث العلمي الأكاديمي عن وبالمغرب، وإن يعنى بقدر أقل بكثير بوزنه ودوره في تشكله وفلكه الخاص. ينطلق البحث من، ويقرّ على، جدوى وإضافة هذه الكتابات، لكنه يخلص أيضا إلى محدوديتها العلمية، بغض النظر عن أهميتها المعرفية في مدارها الخاص.

تبرز أهمية هذا الإنتاج، في حالة المغرب، في كونه يبدئ الرصد من نقطة تاريخية بعيدة بكثافة متقطعة لكن تمتد إلى ثلاث أو أربع قرون والأرجح أن تتكثف، كما تهتف مؤخرا مجلات ودُور نشر أنجلوساكسونية، إذ غدا ينظر إلى المسماة "شمال إفريقيا" على أنها مهد "الربيع العربي". يمكن، أيضا، الإفادة منه من جهة سعة ما يطرقه من قضايا متنوعة أو يجربه من مناهج ومقاربات مختلفة. إنه أيضا، على انشغاله وبرنامجه الخاص، مكمل لعناية أو مستفز وموقظ لخمول أو قصور أو تباعد نظر البحث الأهلي..

مع ذلك، لاستعجاله الشديد وعبوره السريع وخصاصه اللغوي المحلي، لا يسعه أن ينوب عن أو يحل محل إنتاج وطني أصيل. غالبا ما يكون المنتوجُ الأول (الجامعي أساسا) للباحث الأنجلوساسكوني الأهمَ إن لم يكن الأخير في سيرته البحثية عن البلد. أحيانا يظل العمل غير منشور، ما يدل على عدم اكتراث بإتمام المسار أو بإنمائه انطلاقا من البَدْية المغربية. التطلع الأساسي في الأغلب نحو ما تحسب نواة أو أنوية "الشرق الأوسط" -الذي (قد) يحتسب "إطار" البحث الأنجلوساكسوني الذي يستوعب الحالة المغربية- إذا تفودي ذوبان مجدد في الفضاء الداخلي الأمريكي. يسجل أيضا التنافي البيني حتى داخل المجال الثقافي-اللغوي الأنجلوساكسوني بل لا يُستأنس بخريطة بيبليوغرافية في إغفال لا ينبع من ندب إلى التجريب بقدر ما ينوء تحت ضغط الآجال والتخلص السريع ــ بمعايير من الأشد ترديا لعل الجامعة الأمريكية لا تخص بها نطاقا أكبر مما تفعل إزاء بديعها "الأوسطي" غير الأثير ــ من المهمة قيد اليد، مع قليل نية في العودة أو المواكبة أو المتابعة..

و خصص الباب الرابع لدراسة و جرد البيبليوغرافية الانكلوساكسونية المغربية. فصل اول للجرد و الفصل الثاني لدراستها.

على صعيد التلقي، كانت الخلاصة أن الانفتاح على الأعمال الأمريكية والبريطانية، إن من خريجي الدراسات (الأدبية والثقافية) الإنجليزية (بغلبة نسبية) أو لدى آخرين من تخصصات مختلفة، قائمٌ بعنفوان متفاوت، لكنه إجمالا لا يلتفت إلى تقريب مُواطن وتوطين حقيقي لها في السياق الثقافي الفكري والبحثي الوطني. لذا، إذا كان الباب الأول ينطبع بفرط في التوصيف وقدر من التركيب مع خصاص في النقاش، فإن درس التلقي كان نقديا وأحيانا سجاليا. وبينما ينبه الباب الثالث، بفحص عيّنة من مؤتمرات ومنتديات ثنائية نوعية، إلى انتصاب (وإمكان تجاوز) حدود تعترض تبادلا ثقافيا حقيقا بالاسم بين المغرب وأنجلوساكسونيا، يُفهم الفصل الرابع أن تطلعا شموليا إلى احتواء واستثمار مراجع أنجلوساكسونية -حسبناها عند بداية البحث معدودة وانتهت بنهايته ببضعة آلاف- يكاد يستحيل خارج جرد لا يدعي الحصر، بل انطوى أساسا على ذخيرة "مكتبة وطنية" من عطاء الراحل محمد أبو طالب ودرس بيبليوغرافي ينتهي بمُقترح مُخطط أقلمة ومثاقفة غير اللتين كانتا..

تبع هذا العرض المستفيض نقاش غني و عميق اخذ وقتا طويلا  نوقشت فيه القضايا الكبرى الذي طرحها الباحث ،منوهين في البداية بالمجهود الكبير الذي بذله الباحث، حيث اعتبر عمله استثنائيا اذ لأول مرة حسب علم بعض أعضاء اللجنة ،تناقش اطروحة من 5 اجزاء امام كليات الحقوق ببلادنا.

اما ملاحظات الأساتذة الكرام فقد تركزت على التداعيات التي نالت من تماسك مواد البحث جراء طوله (2744 صفحة) (في الوقت الذي كان يمكنه تركيز الكلمة بالاقتصار على البعد السياسي)، وعلى "تحامله القيمي" أو خوضه في "معارك قيمية" ،ليس محلها الفضاء الجامعي. يحاج البحث أن، فضلا عن قيود بيبليوغرافية وسوسيولوجية، يمكن تحسين مداخل التخصص بالتوسع إلى علوم سياسية واجتماعية. من جهة أخرى، لا ينفك طابعه السجالي عن توسعه المقصود في مسألة التلقي (المحلي)، وعن منطلقاته من حيث أنه بحث في النقد الثقافي وسوسيولوجيا المعرفة، وإحياء للحديث في أدوار "المثقف" ومحاكمة لضيق أفق "أهل الصنعة من أهل أفقنا" بعبارة القاضي عياض. إنه يطرح، في العمق، المسألة اللغوية ويحل إشكالية التقريب من زاوية إعادة اكتشاف مؤهلات وتنمية اللسان العربي.

شكر الاستاذ بوجداد بصفته مشرفا على البحث اعضاء اللجنة العلمية على المجهودات الجبارة التي بذلوها من اجل فحص و تقييم عمل من هذا الحجم، و على عمق ملاحظاتهم و غناها و التي بدون شك سوف تغني البحث و تعطيه افقا جديدا.

و بعد المداولة استحسنت اللجنة العلمية الاطروحة،و ارتأت أن ينال الباحث لقب دكتور في الحقوق  تخصص العلوم السياسية ،وأوصت بنشره بعد أخذ ملاحظاتها بعين الاعتبار.

ان هذه الاطروحة مفهرسة و موثقة بطريقة جيدة و توفر للباحثين في هذا التخصص بيبليوغرافيا غنية من 778 صفحة ترصد كل الكتابات حول المغرب باللغة الانجليزية.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.