قانون تنظيم ممارسة مهام الطب الشرعي في شروح. هشام ملاطي

هشام ملاطي

قاضي مدير الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل

يحتل الطب الشرعي مكانة متميزة ضمن قائمة العلوم الطبية ، وذلك لكونه يعتبر أحد أهم الوسائل العلمية التي تساعد في تحقيق العدالة خاصة في مجال كشف ملابسات الجرائم وجمع الأدلة عنها وضبط مرتكبيها وتقديمهم أمام السلطات القضائية المختصة .

وهو بذلك يلعب دورا محوريا في خدمة أجهزة العدالة الجنائية من خلال مساعدته لها على الإدارة الفعلية و الفعالة السير القضايا الزجرية خلال كافة مراحل الدعوى العمومية بدء بمرحلة البحث الجنائي ومرورا بمرحلتي التحقيق والمحاكمة حسب الحالة وانتهاء حلة التنفيذ الزجري .

وتتجلى مكانة الطب الشرعي في علاقته الوطيدة بالعدالة من خلال مساعدته للسلطات القضائية في تحديد أسباب بعض الجرائم الغامضة والمستعصية كجرائم القتل والتسميم وادعاءات التعذيب وجرائم الاعتداء الجنسي ، فضلا عن دوره في تكوين القناعة الوجدانية للقاضي الجنائي وتمكينه من إصدار أحكامه استنادا إلى أسس علمية موضوعية ودقيقة .

لذلك كان هذا الموضوع من بين المحاور التي حظيت باهتمام خاص خلال العديد من المحافل واللقاءات الوطنية والدولية ، وتم تأكيدها بمناسبة ندوات الحوار الوطني حول الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة ، وعلى رأسها الندوتين الجهويتين اللتين تم عقدهما على التوالي بمدينة فاس يومي 9 و 10 نونبر 2012 وبمدينة مراكش يومي 23 و 24 نونبر 2012 حول موضوع تحديث السياسة الجنائية وتطوير العدالة الجنائية وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة واللتين شكلتا مناسبة فعلية تم خلالها تشخیص وضعية منظومة .

الطب الشرعي ببلادنا ومناقشة سبل تطويرها لتفادي محدودية آليات البحث الجائي في هذا الشق والمتمثلة في غياب إطار قانوني حديث خاص بالطب الشرعي

وإذا كان الطب الشرعي يشكل نشاطا مهنيا قائما بذاته ، فإن ممارستها تخضع لأي إطار تشریعي أو تنظیمي خاص واضح و مضبوط باستثناء بعض المقتضيات القانونية الواردة في نصوص خاصة

-كما أن الواقع العملي في مجال الطب الشرعي بالمغرب أفرز معطى أساس يتمثل في كون الجزء الأكبر من التشريحات الطبية المأمور بها من طرف القضاء یارسها أطباء ليس لهم تخصص طبي معترف به في هذا المجال ، الأمر الذي يؤكد حقيقة عدم توفر بلادناعلى عدد مهم من الأطر الطبية المتخصصة في ميدان الطب الشرعي خصوصا وأن العدد القليل من الأطباء الشرعيين الموجودين حاليا يعملون بمستشفيات بعض المدن الكبرى ناهيك عن هزالة التعويضات المرصودة والتي لا تساير بالبتة الظرفية الاقتصادية والاجتماعية الراهنة .

وانطلاقا من الوضعية الحالية لمنظومة الطب الشرعي التي تم بسطها أعلاه ورغبة في مواكبة ورش تحديث الترسانة القانونية ببلادنا لاسيما في شقها المتعلق بتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وتطوير آليات العدالة الجنائية ، بادرت وزارة العدل إلى إعداد مشروع قانون ينظم ممارسة مهام الطب الشرعي بالمملكة تضمنت نصوصه مقتضیات قانونية متكاملة لتأطير قط ر قطاع الطب الشرع باعتباره أحد المهن المساعدة للقضاء .

والجدير بالذكر ، أنه في ظل غياب أي إطار تشريعي سابق یکون أرضية يؤسس عليها مشروع هذا القانون تمت صياغة نص قانوني جديد روعي في رعي فلسفته استحضار مايلي 1. المواثيق الدولية ذات الصلة بالموضوع ، في مقدمتها ، دليل الأمم المتحدة للتقصي والتوثيق الفعالين في الجرائم المتعلقة بالتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللإنسانية أو المهينة ؛

2. التوصيات والمقترحات التي تمخضت عن الندوتين الجهويتين الخامسة قانون خاصة .

بمدينة فاس والسادسة بمدينة مراكش

3.. توصيات المجلس الوطني لحقوق الإنسان الصادرة في هذا الإطار ؛

4. آراء وملاحظات القطاعات الحكومية المعنية والسلطات القضائية والأمنية والهيئة الوطنية للأطباء والطبيبات والجمعيات المهنية ..

5. التشريعات والتجارب المقارنة .

ويبرز هذا القانون كإطار قانوني متكامل لممارسة مهام الطب الشرعي ويتضمن أيضا مقتضیات قانونية كفيلة بإعطاء مصداقية أكبر للشواهد وتقارير الخبرة الطبية التي تعرض على القضاء في إطار النزاعات التي يبت فيها .

وهو ما سيساهم في تعزيز ضانات المحاكمة العادلة وتطويرها . ويروم القانون المذكور أيضا توحيد ممارسة مهام الطب الشرعي بلادنا والرفع من مستوى العاملين بهذا المجال ، بغية تشجيع الإقبال على هذا التخصص بالجامعات المغربية وذلك من خلال استقطاب الأطباء الداخليين وتحفيزهم ماديا ومعنويا للولوج إليه وتحسين ظروف تكوينهم وكذلك توفير آفاق مهنية محفزة لهم . هذا ، وتتمثل أهم مضامين القانون المتعلق بتنظيم ممارسة مهام الطب الشرعي في ما يلي :

تحدیا ۔ الجهات الطبية المخول لها مزاولة مهام الطب الشرعي طريق تحديد المقصود بالطبيب الممارس لمهام الطب الشرعي و وتحديد اختصاصاته وحقوقه وواجباته

تحديد كيفية انتداب الطبيب الممارس لمهام الطب الشرعي والجهات المخول لها انتدابه ، بالإضافة إلى تنظيم العلاقة بين هذه الأطراف التنصيص على الحالات التي يتعين فيها لزوما الأمر بإجراء التشريح الطبي ، مع تحديد خالات و کیفیات إجراء التحليلات على الأشلاء والعينات

تحويل الجهات القضائية المختصة وحدها صلاحية الا الجثث التي تكون محل بحث قضائي ؛ -

إقرار مبدأ استقلالية الطبيب الممارس لمهام الطب الشرعي في شأن القضايا الموكلة إليه من قبل السلطات القضائية ؛

- تمتيع الطبيب الممارس للطب الشرعي بالحماية القانونية أثناء مباشرته المهامه وبمناسبتها ، مقابل إلزامه بواجب کتان السر المهني والتقيد بقواعد الحياد والتجرد والنزاهة والشرف ؛

تحديد البيانات الضرورية التي يتعين على الأطباء الممارسين لمهام الطب الشرعي تضمينها في تقاريرهم ؛

- التنصيص على ضرورة رفع تقارير حول السير العام لأنشطة الأطباء الممارسين لمهام الطب الشرعي بدوائر نفوذ محاكم الاستئناف إلى السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ، على أن يقوم هذا الأخير برفع التقرير التركيبي المنجز على ضوء التقارير السالفة الذكر إلى الوزارتين المكلفين بالعدل والصحة .

وتجدر الإشارة إلى أن وزارة العدل ومواكبة منها للمستجدات التي يتضمنها القانون المتعلق بتنظيم ممارسة مهام الطب الشرعي ، قد عملت على إعداد مشروع قانون يتعلق بنسخ وتعويض أحكام القانون رقم 23.86 المتعلق بتنظيم المصاريف القضائية في الميدان الجنائي ، وتم خلاله مراجعة 17 الأتعاب المقررة للخبرة بما فيها المنجزة في ميدان الطب الشرعي وبغاية تقريب أحكام القانون رقم 77.17 المتعلق بتنظيم ممارسة مهام الطب الشرعي و والنقاشات الهامة والمستفيضة الذي شهدها بمجلسي النواب والمستشارين وكذا الفلسفة والمرجعيات المعتمدة لصياغته إلى الممارسين والأكاديميين وكافة المهتمين ، تأتي هذه المبادرة من وزارة العدل - مديرية الشؤون الجنائية والعفو

- بإعداد هذا الشرح العملي لأحكام القانون المذكور 10 الذي دخل حيز التنفيذ بعد نشره بالجريدة الرسمية بتاريخ 19 مارس 2020 ، والتي تبقى شروحا يؤخذ بها على سبيل الاسترشاد والاستئناس أثناء تطبيقه وليس لها أي قوة ملزمة يتوخى منها فقط التبسيط والفهم الجيد لمضامينه والوقوف على إرادة المشرع الحقيقية وراء سنها .

وحتى تكتمل الغاية المرجوة من هذا العمل ولتعم الفائدة تم تعزيز المؤلف بالوثائق والنصوص القانونية الدولية والوطنية ذات الصلة بالطب الشرعي وفي ختام هذا التقديم ، لا يسعني إلا أن أجدد الشكر لمدير الشؤون الجنائية والعفو وللقضاة والأطر العاملة معه على إنجاز هذا العمل ، آملا أن يقدم الإضافة المطلوبة ويغني الخزانة القانونية والحقوقية المغربية .

محمد بنعبد القادر وزير العدل

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.